الرئيسية اتصل بنا
 
 


العودة   منتديات الآفاق السلفية > أقسام المنتديات الرئيسية > منبر الرد على المرجئة المعاصرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11th December 2014, 08:26 PM
الإدارة الإدارة غير متواجد حالياً
أعانهم الله
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 1,143
افتراضي مقال جديد للشيخ عبد الحميد الجهني وفقه الله : حكم المشرك الجاهل بين تحقيق أئمة الدعوة النجدية وتخليط المرجئة العصرية (3) الحلقة الأخيرة

بسم الله الرحمن الرحيم
حكم المشرك الجاهل بين تحقيق أئمة الدعوة النجدية وتخليط المرجئة العصرية (3)
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ,
أما بعد :
فقبل أن أناقش عبارات الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي يحتج بها عاذرو عباد القبور , أقدم ببعض الضوابط المهمة, التي من خلالها نزيل بعون الله تعالى كثيرا من الإشكالات .

الضابط الأول : التفريق بين الأسماء والأحكام , فالمشرك يبقى اسمه ووصفه مشركا مذموما بغيضا عند الله تعالى . أما الحكم عليه بالكفر الموجب للعقوبة فيشترط فيه إقامة الحجة الرسالية عليه ( أي الحجة بإرسال الرسل ) . كما قرر ذلك أئمة الإسلام .
وبين يديك أيها القارئ الكريم تحقيق نفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسالة, حبذا قراءته بتدبر وعناية . وقد سوقته بتمامه لما فيه من الفائدة والأهمية البالغة في مسألتنا هذه .

قال رحمه الله :
وكُتُبُ اللَّهِ تَدُلُّ عَلَى ذَمِّ الضَّالِّ وَالْجَاحِدِ وَمَقْتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إِلَّا بَعْدَ إِنْذَارِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَقَتَهُمْ إِلَّا هَؤُلَاءِ الْبَقَايَا، وَالْمَقْتُ هُوَ الْبُغْضُ بَلْ أَشَدُّ الْبُغْضِ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ أَخْبَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا فَقَالَ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] وَقَالَ: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِعَذَابِهِمْ قَائِمٌ، وَلَكِنَّ شَرْطَ الْعَذَابِ هُوَ بُلُوغُ الرِّسَالَةِ وَلِهَذَا قَالَ {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
وَمَا أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَمَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» .

وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي حُسْنِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحِهَا كَحُسْنِ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ وَالصِّدْقِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ وَالشِّرْكِ وَالْكَذِبِ هَلْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَمْ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالسَّمْعِ وَإِذَا قِيلَ أَنَّهُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ فَهَلْ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ رَسُولٌ ؟
عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ فِي أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ، وَهَذَا قَوْلُ نُظَّارِ الْمُجْبِرَةِ كَالْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَأَمْثَالِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْمَعَالِي وَأَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمْ
وَقِيلَ : بَلْ قَدْ يُعْلَمُ حُسْنُ الْأَفْعَالِ وَقُبْحُهَا بِالْعَقْلِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ كَأَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَأَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ وَأَبِي نَصْرٍ
السِّجْزِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ سَعْدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ نُظَّارِ الْمُثْبِتَةِ لِلْقَدَرِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ نُظَّارِ الْقَدَرِيَّةِ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَسْتَحِقُّونَ عَذَابَ الْآخِرَةِ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلْعَقْلِ كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : بَلْ لَا يُعَذَّبُونَ حَتَّى يُبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ ; كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. لَكِنَّ أَفْعَالَهُمْ تَكُونُ مَذْمُومَةً مَمْقُوتَةً يَذُمُّهَا اللَّهُ وَيُبْغِضُهَا وَيُوصَفُونَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذُمُّهُ اللَّهُ وَيُبْغِضُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعَذِّبُهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا ; كَمَا قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ; كَمَا تَقَدَّمَ «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: لِي قُمْ فِي قُرَيْشٍ، فَأَنْذِرْهُمْ قُلْتُ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي حَتَّى يَدَعُوهُ خُبْزَةً.
قَالَ: " إِنِّي مُبْتَلِيكَ وَمُبْتَلٍ بِكَ وَمُنْزِلٌ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَأُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ فَابْعَثْ جُنْدًا أَبْعَثْ مِثْلَيْهِمْ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ وَأَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» .
وَقَالَ: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ
وَقَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ; كَمَا تُنْتِجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ"

وَمَعَمَقْتِ اللَّهِ لَهُمْ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسِيئِينَ وَلَا مُرْتَكِبِينَ لِقَبِيحٍ حَتَّى جَاءَ السَّمْعُ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: أَنَّهُمْ كَانُوا مُعَذَّبِينَ بِدُونِ السَّمْعِ إِمَّا لِقِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْعَقْلِ ; كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَإِمَّا لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ ; كَمَا يَقُولُهُ الْمُجْبِرَةُ.
قَالَ - تَعَالَى -: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59] وَقَالَ - تَعَالَى -: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47]
وَقَالَ - تَعَالَى -: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134]

فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَ الْكُفَّارَ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ قَبْلَ الرَّسُولِ كَانُوا قَدِ اكْتَسَبُوا الْأَعْمَالَ الَّتِي تُوجِبُ الْمَقْتَ وَالذَّمَّ وَهِيَ سَبَبٌ لِلْعَذَابِ، لَكِنْ شَرْطُ الْعَذَابِ قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِالرِّسَالَةِ. انتهى ( الجواب الصحيح 2/305-314 )

وقال أيضا : وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ مَا قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَمَا بَعْدَهَا فِي أَسْمَاءَ وَأَحْكَامٍ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَسْمَاءَ وَأَحْكَامٍ وَذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ: عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الْأَفْعَالَ لَيْسَ فِيهَا حَسَنٌ وَقَبِيحٌ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ سَمَّاهُمْ ظَالِمِينَ وَطَاغِينَ وَمُفْسِدِينَ؛ لِقَوْلِهِ: {اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى}
وَقَوْلِهِ: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ} وَقَوْلِهِ: {إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ ظَالِمٌ وَطَاغٍ وَمُفْسِدٌ هُوَ وَقَوْمُهُ وَهَذِهِ أَسْمَاءُ ذَمِّ الْأَفْعَالِ؛ وَالذَّمُّ إنَّمَا. يَكُونُ فِي الْأَفْعَالِ السَّيِّئَةِ الْقَبِيحَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ تَكُونُ قَبِيحَةً مَذْمُومَةً قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ إلَّا بَعْدَ إتْيَانِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} . وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ هُودَ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أَنْتُمْ إلَّا مُفْتَرُونَ} فَجَعَلَهُمْ مُفْتَرِينَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ بِحُكْمِ يُخَالِفُونَهُ؛ لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَاسْمُ الْمُشْرِكِ ثَبَتَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ؛ فَإِنَّهُ يُشْرِكُ بِرَبِّهِ وَيَعْدِلُ بِهِ وَيَجْعَلُ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى وَيَجْعَلُ لَهُ أَنْدَادًا قَبْلَ الرَّسُولِ وَيُثْبِتُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ اسْمُ الْجَهْلِ وَالْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ: جَاهِلِيَّةً وَجَاهِلًا قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ وَأَمَّا التَّعْذِيبُ فَلَا. انتهى ( مجموع الفتاوى 20/37-38 )

قلت : خلاصة هذا البحث النفيس هو التفريق بين الأسماء والأحكام . فعابد القبر اسمه ووصفه " مشرك " مذموم عند الله تعالى , كما قال تعالى (لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً) , لكنه لا يُكفَّر الكفر الموجب للعقوبة ( حل الدم والمال ) حتى يُبين له وتقام عليه الحجة , وهذا معنى كلام العلماء عن الجهال من عباد القبور " لا يكفرون حتى تقام عليهم الحجة " فالمراد لا يكفرون الكفر الموجب للعقوبة , وليس المراد لا يكفرون أي لا يخرجون من الإسلام كما يظن أهل الإرجاء في هذا العصر ومن نحا نحوهم , إذ إن عباد القبور ليسوا مسلمين, حتى يقال عنهم : لا يكفرون .. بمعنى لا يخرجون من الإسلام . وكما قال العلامة السلفي الشيخ محمود شكري الألوسي البغدادي رحمه الله, في رده على النبهاني (1/54) : وتسمية من عبد غير الله مسلما, فهو إلى أن يعالج عقله أحوج منه إلى أن يقام الدليل عليه. انتهى
قال الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : وعباد القبور ما رأيت أحدا من أهل العلم الذين يرجع إليهم توقف في كفرهم . غاية ما قالوا : لا يقتل حتى يستتاب . أو لا يكفر ( أي الكفر الموجب للقتل ) حتى تقوم عليه الحجة , أو نحو هذا الكلام . ( منهاج التأسيس ص56 )
ومن حفظ هذا الضابط وفَهِمَه زالت عنه بإذن الشبهة التي يثيرها المغالطون حول عبارة الشيخ وغيره من العلماء في إقامة الحجة .

الضابط الثاني : الإمساك عن التكفير أولى من إطلاقه عند الاشتباه .
وهذا هو منهج الأئمة على العموم, إذا اشتبهت عليهم المسألة توقفوا فيها, كما كان الإمام أحمد يتوقف في كثير من المسائل, وهذا شيء معروف لا يحتاج إلى ضرب أمثلة , فإذا كان الأئمة يتوقفون في مسائل مشتبهة هي دون إطلاق التكفير على شخص معين, فإطلاق التكفير من باب أولى , وهذا ليس من باب عدم العلم, بل من باب الورع والتحري في إطلاق الأحكام الشرعية الخطيرة. وكان الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله مضربَ مثلٍ في الإحجام عن إطلاق التكفير, وقد حفظ عنه بعض الأقوال في هذا الباب, منها قوله رحمه الله : وأما الذي يدعي الإسلام، وهو يفعل من الشرك الأمور العظام، فإذا تليت عليه آيات الله استكبر عنها، فليس هذا بالمسلم; وأما الإنسان الذي يفعلها بجهالة، ولم يتيسر له من ينصحه، ولم يطلب العلم الذي أنزله الله على رسوله، بل أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فلا أدري ما حاله. انتهى ( الدرر السنية 2/150-151 ) و ( المؤلفات 4/37 )

ومن ذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – بعد أن ذكر أنواعا من الكفر المتعلق بعبادة الأموات والصالحين – قال : ولكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين ما جاء به الرسول مما يخالفه، انتهى.
فهذه العبارة يحتج بها المرجئة المعاصرون ومن حذا حذوهم في المنع من تكفير عباد القبور, أما أئمة الدعوة فلهم تفسير آخر لهذه العبارة تخالف ما يقرره هؤلاء المرجئة . قال الشيخ الإمام عبدالرحمن بن حسن – بعد أن ذكر كلمة ابن تيمية السابقة –
قلت: فذكر رحمه الله تعالى ما أوجب له عدم إطلاق الكفر عليهم، على التعيين خاصة، إلا بعد البيان والإصرار فإنه قد صار أمة وحده; لأن من العلماء من كفره، بنهيه لهم عن الشرك في العبادة، فلا يمكن أن يعاملهم بمثل ما قال، كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في ابتداء دعوته، فإنه إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب، قال: الله خير من زيد، تمرينا لهم على نفي الشرك، بلين الكلام، نظرا إلى المصلحة، وعدم النفرة . انتهى ( الدرر السنية 2/211 )
فتأمل ! وخذ العلم من أهله , وانظر كيف يفسر الشيخ عبدالرحمن بن حسن عبارة شيخ الإسلام ويوجهها التوجيه المناسب , ويعتذر لشيخ الإسلام في إحجامه عن تكفير من وقع في الشرك الأكبر من المتأخرين, ويجعل ذلك شيئا خاصا به أوجب له التوقف, وليس قاعدة عامة في جميع القبوريين . وفي هذا رد على بعض المرجئة الذين يتفلسفون بأن شيخ الإسلام رد على البكري الخرافي ولم يكفره .

والمقصود أن عبارات بعض الأئمة التي تدل على ورعهم وتوقفهم في مواضع اشتبهت عليهم, أو هي مواقف خاصة بهم اقتضاها العصر الذي كانوا فيه والغربة الشديدة التي عاشوها وعالجوها أشد المعالجة, لا يجوز أن تكون أصلا في الباب, يُحارب به الحكم بالتكفير جملة وتفصيلا .

وفيما يتعلق بشيخ الإسلام ابن تيمية , فإن له عبارات في مواضع من كلامه, تعلق به أعداء الدعوة قديما , وأكثروا من التشغيب بها على الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله , ( وإلى اليوم يُشغب بها ) هذا, والشيخ لم يألُ جهدا في بيانها وتوضيحها وبيان مراد شيخ الإسلام ابن تيمية, كما دأب على ذلك أئمة الدعوة بعده, لكن الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله وصل مع هؤلاء المشغبين إلى حد فاصل, يدل على رسوخ قدمه, وإمامته في العلم, وثباته على الحق , حيث قال لهم بصراحة ووضوح في كتابه ( مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد ) : على أن الذي نعتقده ونَدينُ اللهَ به ونرجو أن يثبتنا عليه أنه لو غلط هو ( يقصد ابن تيمية ) أو أجلَّ منه في هذهالمسألة , وهي مسألة ( الحكم على ) المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة ( وليس بعد فهمها فانتبه ! ) ، أو المسلم الذي يفضل هذا (عمل المشركين ) على الموحدين ، أو يزعم أنه على حـق ، أوغيرذلك من الكفر الصريح الظاهر الذي بيَّنه الله ورسوله وبينه علماءالأمة ، أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره ولو غلط من غلط , فكيف والحمدلله ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافا في هذه المسالة .انتهى
كنت نقلت هذا النص في رسالتي ( لواء السنة المنشور في قمع المجادل عن عباد القبور ) وقلت تعليقا عليه :
فما أروقَ هذا الكلام وماأجملَه وأقطعَه لحجة المجادل عن عباد القبور الذي يزعم ان الشيخ محمد بن عبدالوهاب لا يكفر المشرك عابد القبر حتى تقوم عليه الحجة بزعمه , والشيخ هنا يحكي الإجماع عليها , ولا يحيد عنها ولو غلط من غلط من العلماء فيها , حتى ولو كان الذي غلط فيها ابن تيمية أو من هو أجل منه , ما يُثبت أن المسألة قطعية عند الشيخ ليست اجتهادية يعذر فيها المخالف . وعلى هذا أئمة الدعوة , يُغلِّظون على المخالف في هذه المسألة , بل يمنعون من الصلاة خلف من لا يكفر عابد القبر , وهذا يبين أنه مبتدع عندهم .انتهى المراد .

الضابط الثالث : العبارة التي كان يرددها شيخ الإسلام ابن تيمية : " تأليف القلوب مصلحة أرجح ".
ولها أصل في الشرع , قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب العلم من صحيحه :
بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الِاخْتِيَارِ، مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ .
فهذه الترجمة فقه عظيم وأسلوب حكيم, يتدرج به العالم الناصح المصلح في دعوته الناس إلى دين الله , فيتألف قلوبهم بترك بعض الأمور التي يسعه تركها والسكوت عنها في سبيل دعوتهم وقبولهم لما فيه سعادتهم ونجاتهم. وقد احتج الإمام البخاري رحمه الله لهذه الترجمة بحديث عائشة رضي الله عنها, في ترك النبي صلى الله عليه وسلم هدم الكعبة من أجل إعادة بنائها على قواعد إبراهيم عليه السلام . لكنه ترك ذلك خوفا على قريش – وهم حدثاء عهد بكفر- أن يكون في هذا العمل فتنة عليهم , ولا ريب أن بقاء قريش على الإسلام وثباتهم على الإيمان أولى من هدم الكعبة وإعادة بنائها .
وهذا المنهج النبوي هو الذي كان يسير عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله , فكان يمسك عن بعض المسائل ويترك التصريح ببعض الأحكام لمصلحة الدعوة ولتأليف الناس وترغيبهم في الدخول في دين الله تعالى . كما قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله – فيما سبق نقله عنه - : كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في ابتداء دعوته، فإنه إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب، قال: الله خير من زيد، تمرينا لهم على نفي الشرك، بلين الكلام، نظرا إلى المصلحة، وعدم النفرة . انتهى ( الدرر السنية 2/211 )
فهذا هو منهج الشيخ في الدعوة إلى الله تعالى, يراعي مصلحة المدعوين, فلا يصرح لهم ببعض المسائل والأحكام التي تنفرهم من دعوته, وهو لو قال لهم إن دعاء زيد بن الخطاب شرك بالله العظيم لكان محقا في قوله ومصيبا, غير أنه خاطبهم بعبارة لينة تمرينا لهم على ترك الشرك , والتعلق بالله وحده , خصوصا في زمن قلة العلم وكثرة الجهل, فقد لا تفهم كثير من الأقوال والمسائل على وجهها فينبغي في هذه الحالة السكوت عنها وترك التصريح بها. وهذا كثير في رسائله الشخصية . وسوف أذكر طرفا منها .

فمن ذلك قوله رحمه الله : بل والله الذي لا إله إلا هو، لو يعرف الناس الأمر على وجهه لأفتيت بحل دم ابن سحيم وأمثاله، ووجوب قتلهم، كما أجمع على ذلك أهل العلم كلهم، لا أجد في نفسي حرجاً من ذلك . ( المؤلفات 6/315 )
ومن ذلك أيضا موقفه من تكفير ابن عربي صاحب " الفصوص " , ففي رسالته لأهل القصيم قال رحمه الله : ثم لا يخفى عليكم، أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم، وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم؛ والله يعلم أن الرجل افترى عليَّ أموراً لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي.
( وذكر مسائل, منها ) : وإني أكفّر ابن الفارض وابن عربي ...
( ثم قال في الجواب عن هذه المسائل ) : جوابي عن هذه المسائل، أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! وقبله من بهت محمداً صلى الله عليه وسلم أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور. ( السابق ص12 )
في حين أنه قال عن ابن عربي وطائفته في موضع آخر مخاطبا شخصا في إحدى رسائله : ولا يخفاك أني عثرت على أوراق عند ابن عزاز، فيها إجازات له من عند مشايخه، وشيخ مشايخه رجل يقال له عبد الغني، ويثنون عليه في أوراقهم، ويسمونه العارف بالله؛ وهذا اشتهر عنه أنه على دين ابن عربي الذي ذكر العلماء أنه أكفر من فرعون، حتى قال ابن المقري الشافعي: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر. فإذا كان إمام دين ابن عربي والداعي إليه هو شيخهم، ويثنون عليه أنه العارف بالله، فكيف يكون الأمر؟ .
( السابق ص73 ) و ( الدرر السنية 10/25 )
وقال أيضا : وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى. فكل من لم يدخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم ويتبرأ من دين الاتحادية، فهو كافر بريء من الإسلام، ولا تصح الصلاة خلفه، ولا تُقبل شهادته.
( المؤلفات 6/189)
فهذا حكمه وقوله الصريح في ابن عربي وطائفته الملاحدة , أما كلامه في رسالته لأهل القصيم فغير معارض لهذا الكلام , لأنه في ذلك الوقت لم يكن الشيخ يتكلم في ابن عربي ولا خطر هذا على باله , لانشغاله التام في بيان التوحيد للناس وتحذيرهم من الشرك . وكان الناس في جاهلية وبعد عن آثار الرسالة يعظمون شيوخ هؤلاء الملاحدة فليس من الحكمة في الدعوة الهجوم على هؤلاء المعظَمين في أول الأمر , وهذا واضح بحمد الله. فليس لأحد أن يأتي اليوم وينسب إلى الشيخ أنه تبرأ من تكفير ابن عربي. محتجا بكلامه السابق في رسالته لأهل القصيم.

ومن هذا أيضا : تركه الإنكار في مسائل ليست من الشرك الأكبر, كقوله رحمه الله في بيان أنواع التوسل : النوع الثالث : أن يقول اللهم إني أتوسل إليك بنبيك , أو بالأنبياء , أو الصالحين , فهذا ليس شركا , ولا نهينا الناس عنه , ولكن المذكور عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهم : أنهم كرهوه , لكن ليس مما نختلف نحن وغيرنا فيه . ( الدرر السنية 2/84 )
فتأمل كيف يترك الشيخ الإنكار في هذه المسألة المحدثة ؛ لتأليف القلوب ونمرين النفوس لقبول التوحيد وترك الشرك الأكبر.

ومن أعجب ما رأيت للشيخ محمد بن عبدالوهاب وحكمته في الدعوة إلى الله تعالى, أنه كتب رسالة إلى أحد المخالفين المتعصبين لابن حجر الهيتمي الفقيه الشافعي المتصوف المصري نزيل الحرم المكي ( ت973 ) ومعلوم أن ابن حجر هذا يُكفر شيخَ الإسلام ابن تيمية, فكان الشيخ محمد بن عبدالوهاب يتجنب ذكر ابن تيمية في رسالته هذه إذا ذكر الأئمة المتأخرين الذين يقتدي بهم , فيذكر ابن القيم والذهبي وابن كثير وابن رجب . تأليفا – فيما يبدو - لقلب هذا المتعصب المتحجر لئلا ينفر إذا سمع بابن تيمية . ( المؤلفات 6/250-267 )

ومن ذلك أيضا : أنه أرسل رسالة إلى علماء مكة , ومعلوم أن جُلهم في ذلك الوقت هم من أصحاب البدع, وصاحب المعتقد الصحيح فيهم – إن وُجد - ساكت عن بيان التوحيد والصدع بالحق , ومع ذلك قال لهم هذا الإمام الذي أحي الله به ما اندرس من معالم الدين – عقب كلام سبق - : فهذه كتب الحنابلة عندكم بمكة شرفها الله مثل: "الإقناع" و"غاية المنتهى" و"الإنصاف"، التي عليها اعتماد المتأخرين، وهو عند الحنابلة كـ"التحفة" و"النهاية" عند الشافعية. وهم ذكروا في باب الجنائز هدم البنا على القبور، واستدلوا عليه بما في صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه بهدم القبور المشرفة وأنه هدمها " ، واستدلوا على وجوب إخلاص الدعوة لله، والنهي عما اشتهر في زمنهم من دعاء الأموات بأدلة كثيرة، وبعضهم يحكي الإجماع على ذلك. فإن كانت المسألة إجماعاً فلا كلام، وإن كانت مسألة اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد؛ فمن عمل بمذهبه في محل ولايته لا ينكر عليه. انتهى المراد
فتأمل كيف يلاطفهم , ويلين لهم الكلام , ويراعي ما عندهم من الجهل بمسائل التوحيد , وهو هنا يخاطب العلماء , فيذكر لهم أن الإجماع قد حُكي في النهي عن دعاء الأموات , فإن صح الإجماع فلا كلام, ولا سبيل لكم في الإنكار , وإن لم يصح فلا طريق لكم أيضا في الإنكار علينا في مسألة اجتهادية عملنا بها في محل ولايتنا . ومعلوم أن النهي عن دعاء الأموات ليست مسألة اجتهادية, بل هي محرمة بالإجماع, ولكن ما عسى الشيخ أن يفعل وهو يخاطب أقواما انقلبت عندهم الموازين, فصار " دعاء الأموات والصالحين توسلا وقربة مشروعة, والنهي عن ذلك بدعة وضلالة جاء بها محمد بن عبدالوهاب " , وهم قد كفروه وحاربوه وألبوا عليه الدولة العثمانية لتقضي على دعوته الإصلاحية , فلم يكن في وسع الشيخ إلا أن يخاطبهم بهذا الخطاب اللين ويلزمهم بهذا الإلزام اللطيف , لعل الله أن يهديهم لإقرار ما هو عليه على أقل تقدير.
فليس لأحد أن يأتي اليوم وينسب إلى الشيخ أنه تردد في دعاء الأموات : هل هو مسألة إجماع أم مسألة خلاف . ويغفل أو يتغافل عن الظرف الذي قال فيه الشيخ هذا الكلام.
ثم إن الشيخ رحمه الله لا يكتفي بذلك بل يختم رسالته هذه إلى علماء مكة بقوله :
وبالجملة: هذا ما نحن عليه. وأنتم تعلمون أن من هو أجلّ منّا لو تبين في هذه المسائل قامت عليه القيامة، وأنا أشهد الله وملائكته وأشهدكم على دين الله ورسوله، أني متبع لأهل العلم، وما غاب عني من الحق وأخطأت فيه، فبينوا لي، وأنا أشهد الله أني أقبل على الرأس والعين؛ والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. انتهى ( السابق ص41-42)

وهو رحمه الله إذا خاطب الأمراء تلطف في الكلام أكثر .
من ذلك ما نقله عنه الشيخ عبدالرحمن بن حسن رحمه الله, حيث قال : وقال شيخنا، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، سألني الشريف ( أمير مكة ) عما نقاتل عليه، وما نكفّر به ؟ فقال في الجواب: إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف، إذا عرف ثم أنكر. انتهى المراد ( الدرر السنية 11/317 )

قلت : هذا جوابه للشريف أمير مكة, وفي رسالته المشتركة بينه وبين الأمير عبدالعزيز بن محمد بن سعود رحمه الله, إلى البكبلي أحد أمراء اليمن قال : نقاتل عبّاد الأوثان كما قاتلهم صلى الله عليه وسلم، ونقاتلهم على ترك الصلاة، وعلى منع الزكاة، كما قاتل مانعها صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه . ( المؤلفات 6/98 )
ففي رسالته للشريف خفف العبارة ولين الخطاب وذكر ( الشهادتين ) وسكت عن الصلاة والزكاة, لأن علماء مكة في ذلك الوقت كانوا ينكرون قتال تارك الصلاة ومانع الزكاة , لأن هذا عندهم قتال من يقول لا إله إلا الله. وهم إما ماتريدية أو أشعرية , من المرجئة الذين لا يرون ترك العمل كفر يوجب القتال, ولما وفد عليهم الشيخ العلامة حمد بن ناصر بن معمر – بعثه إليهم الشيخ محمد بن عبدالوهاب والأمير عبدالعزيز بن محمد بن سعود , بطلب منهم للمناظرة, وكانت مناظرة مشهورة مشهودة, أشار إليها الشوكاني في كتابه " البدر الطالع " - ناظرهم في مسائل, منها : القتال على ترك الصلاة, ومنع الزكاة . وأقام عليهم الحجة وأفحمهم.

والمقصود أن الشيخ رحمه الله, له منهج في رسائله الشخصية, يسلك فيها سبيل الرفق والحكمة واللين في الخطاب, وقد يسكت عن أشياء لئلا تكون عائقا ومانعا لما هو أعظم وأهم . فيأتي المغالطون في هذا العصر فيحتجون بهذه الرسائل الشخصية - التي كتبت في ظروف معينة - بأسلوب مفهوم المخالفة, وكأن هذه الرسائل الشخصية نصوص محررة في كتاب " التوحيد " أو " الأصول الثلاثة "

وسأضرب مثالا على الغلط في مثل هذا الموضع :
جواب الشيخ المتقدم لشريف مكة , وهو قوله رحمه الله " لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف، إذا عرف ثم أنكر "
استنبط منه بعض المرجئة ( بطريق مفهوم المخالفة ! ) أن الشيخ لا يكفر تارك العمل . وترك هذا المرجئ المعاصر نصوص الشيخ الصريحة ( الدالة بالمنطوق ) في أن التوحيد لا يصح من غير عمل . بل إن الشيخ نقل الإجماع على ذلك , حيث قال رحمه الله : لا خلاف بين الأمة، أن التوحيد: لا بد أن يكون بالقلب، الذي هو العلم واللسان الذي هو القول; والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي; فإن أخل بشيء من هذا، لم يكن الرجل مسلما . انتهى ( الدرر السنية 2/124-125 )
أيجوز يا معاشر القراء أن يُعارض هذا المنطوق الواضح الصريح بتلك المفاهيم الضعيفة المأخوذة من رسائل شخصية ؟
وقد أجمع العلماء على أن المنطوق مقدم على المفهوم , هذا إذا ورد المفهوم في كتاب محرر, فكيف إذا ورد في رسالة شخصية رُوعيتْ فيها أمور من مصلحة الدعوة وتأليف القلوب, لأنها كُتبت إلى أمراء وحكام أو علماء يجهلون عقيدة التوحيد ونواقض الإسلام.

ثم يقال لهذا المرجئ : أتظن أن الشيخ عندما قال هذا الكلام لشريف مكة, يريد أن المطلوب هو " الشهادتان " هكذا من غير عمل ؟
ما أضر الجهل بأهله ! بل أقول ما أفضح الجهل لأهله .
فالشيخ رحمه الله عندما يقول إنه يُكفر ويقاتل على الشهادتين, فالمقصود أنه يكفر ويقاتل من خالف التوحيد ووقع في الشرك. أو خالف السنة ووقع في البدع ( على تفصيل معروف في البدعة, إذ ليس كل بدعة مكفرة ) . والشرك عمل واعتقاد, والبدع عمل واعتقاد . وضد ذلك التوحيد والإتباع . والتوحيد عمل واعتقاد, والإتباع عمل واعتقاد . وليس كما تفهم أنت أيها المرجئ أن الشيخ يقاتل على المعتقد فقط من غير نظر إلى الأعمال . ولولا خشيت الإطالة لنقلت نصوص الشيخ في تفسير الشهادتين وما تحملهما من علم وعمل . ويكفي أن تفهم أن الدين قائم على أصلين : عبادة الله وحده لا شريك له . وأن لا يعبد الله إلا بما شرع . وهذا هو تفسير الشهادتين . فالدين كله قائم عليهما , علما وعملا . وهذا المرجئ يزعم أن الشيخ لا يكفر تارك العمل , بل يزعم أن الشيخ لا يكفر تارك العمل بشهادة التوحيد ( كما سأذكره بعد قليل ) وأن الشيخ يقاتل ويكفر على الشهادتين , أي على النطق بهما, لأن العمل لا يكفر به الشيخ . هذه هي النهاية المؤسفة التى انتهى إليها أصحاب الإرجاء العصري في تحرير مذهب الشيخ محمد بن عبدالوهاب , فكما أن الصوفية وأشباههم جعلوا الشيخ رحمه الله غاليا في التكفير, قابلهم هؤلاء فجعلوا الشيخ غاليا في الإرجاء , وقد كذب هؤلاء وأولئك على الشيخ ولم يحسنوا فهم عقيدته ودعوته التي بينها وشرحها أئمة الدعوة في ردهم على خصوم الشيخ .

ولقد دُهشت من مقالة لأحد شيوخ هؤلاء المرجئة ( ولو شئت لذكرت اسمه وهو معروف على كل حال ) يزعم فيها أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب لا يكفر من لا يعمل بمقتضى لا إله إلا الله . وهذا إرجاء صارخ, وكذب فاضح !
يا سبحان الله ! الشيخ محمد بن عبدالوهاب الذي عاش حياته يبين للناس حقيقة لا إله إلا الله وما تقتضيه هذه الكلمة من عمل بالتوحيد وترك للشرك . يقال عنه اليوم إنه لا يكفر من لا يعمل بمقتضاها ؟
أحسن أحوال قائل هذه المقالة أنه يجهل مقتضى لا إله إلا الله . ومن يجهل مقتضى لا إله إلا الله لا يصلح أن يكون قدوة في الدين أو إماما في السنة.
ودونك أيها القارئ الكريم معنى مقتضى لا إله إلا الله, من كلام الأئمة :
قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب بعد كلام سبق : تبين أن النطق بها لا ينفع إلا بالعمل بمقتضاها، وهو: ترك الشرك . ( الدرر السنية 2/45 ) و ( المؤلفات 6/137 )
وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن : وقد تفاوت الناس في هذا التوحيد، الذي هو معنى لا إله إلا الله؛ فهما وعلما، واعتقادا وعملا، أعظم تفاوت: فمنهم من يقولها: عن علم ويقين، صدقا مخلصا من قلبه، وأدى حقوقها، وعمل بمقتضاها، من المعاداة لأهل الشرك بالله، والموالاة لأهل التوحيد، متقدمهم، ومتأخرهم، واستقام على ذلك، ولم يأت بما يبطلها. انتهى ( الدرر 11/310-311 )
وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن : بل التلفظ بالشهادتين لا يكون مانعا من التكفير إلا لمن عرف معناهما، وعمل بمقتضاهما، وأخلص العبادة لله، ولم يشرك به سواه؛ فهذا تنفعه الشهادتان.
وأما من قالهما ولم يحصل منه انقياد لمقتضاهما، بل أشرك بالله، واتخذ الوسائط والشفعاء من دون الله، وطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وقرب لهم القرابين، وفعل لهم ما يفعله أهل الجاهلية من المشركين، فهذا لا تنفعه الشهادتان; بل هو كاذب في شهادته. انتهى ( الدرر السنية 12/263 )

فهذا معني مقتضى لا إله إلا الله , لا كما فهمه ذلك المرجئ الذي كذب على الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله, والله المستعان .

بعد هذا الاستطراد أعود إلى البحث في أصل المسألة, وبيان منهج الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الدعوة إلى الله, وسلوك الحكمة في دعوة الناس إلى التوحيد وتحذيرهم من الشرك .
ومن هذا الباب – وهو بيت القصيد – :
إمساكه رحمه الله في كثير من رسائله الشخصية عن إطلاق الكفر على السواد الأعظم من القبوريين , الذين هم جهلتهم وعامتهم . ويقرر في كثير من رسائله وكتبه للعلماء والسلاطين أنه لا يكفر إلا من عرف التوحيد ثم أعرض أو عرف دين الله ثم صار يحاربه وينفر الناس عنه .. ونحو هذه العبارات التى يفهم منها أن الشيخ لا يكفر إلا العالم أو المعاند . أما الجهال والمقلدون فيمسك الشيخ عن ذكرهم والتصريح بكفرهم , لكنه لم تحُفظ عنه كلمة واحدة أنه جعلهم مسلمين , حاشا شيخ الإسلام أن يحكم بالإسلام لمن يعبد غير الله . فهو رحمه الله في الوقت الذي لايحكم بكفرهم لا يعطيهم حكم الإسلام بل يصفهم بالشرك , كما تقدم في مواضع من كلامه . وكما سبق في قاعدة التفريق بين الأسماء والأحكام .
لكن مرجئة العصر ومن نحا نحوهم وقبلهم داود بن جرجيس وأمثاله حينما يقرؤون كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الذي يذكر فيه أنه لا يكفر إلا العالم أو المعاند , يجعلون لهذا المنطوق مفهوما لم يخطر ببال الشيخ وليس من عقيدته, حيث يجعلون مفهوم هذه العبارة وأشباهها أن المشرك الجاهل مسلم, لا يكفره الشيخ بل هو عنده باق على الإسلام , حتى يبين له ويفهم التوحيد والشرك . ( كما فعلوا في جواب الشيخ لشريف مكة )
وهذا هو الغلط على شيخ الإسلام رحمه الله , وهو شيء انفرد به هؤلاء, لا تجد أحدا من أئمة الدعوة فهم هذا الفهم من كلام إمام الدعوة . بل كلهم رحمة الله عليهم يحتجون بهذه العبارات على مسألة واحدة , هي دفع الفرية التي افتراها أعداء الشيخ أنه يكفر بالعموم , وهو نفسه رحمه الله كان يذكر هذه العبارات لدفع هذه الفرية .
قال الشيخ العلامة المحدث إسحاق بن عبدالرحمن بن حسن : ومن حكى عنه ( أي عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ) هذه القصة ( توقفه في تكفير من يعبد قبة الكواز ) يذكرون ذلك معذرة له عن ما يدعيه خصومه عليه من تكفير المسلمين, وإلا فهي في نفسها دعوى لا تصلح أن تكون حجة, بل تحتاج لدليل وشاهد من القرآن والسنة. انتهى .
قلت : هذا الشيخ إسحاق بين أن مَن نقل عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب توقفه عن تكفير من يعبد قبة الكواز, معذرةً له عن ما يدعيه خصومه عليه من تكفير المسلمين, ثم يعود الشيخ إسحاق ويبين أن الحجة ليس في توقف الشيخ , بل في الكتاب والسنة , وأن من احتج بتوقف الشيخ يلزمه شاهد من الكتاب والسنة على صحة هذا الموقف.
فـ لله دره ! ما أنصفه ! وما أبعده عن التعصب !
وقال الشيخ الإمام عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن : والشيخ محمد رحمه الله من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفيره الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها، قال في بعض رسائله: وإذا كنا لا نقاتل ( وفي الضياء الشارق للعلامة سليمان بن سحمان : لا نكفر ) من يعبد قبة الكواز حتى نتقدم بدعوته إلى إخلاص الدين لله، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا وإن كان مؤمناً موحداً؟ وقال: وقد سئل عن مثل هؤلاء الجهال. فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور. مع أن العلامة ابن القيم رحمه الله جزم بكفر المقلدين لشيوخهم في المسائل المكفرة إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته، وتأهلوا لذلك. فأعرضوا ولم يلتفتوا. ومن لم يتمكن ولم يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل فهو عنده من جنس أهل الفترة ممن لم تبلغه دعوة رسول من الرسل. وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم ولا يدخلون في مسمى المسلمين، حتى عند من لم يكفر بعضهم وسيأتيك كلامه. وأما الشرك فهو يصدق عليهم، واسمه يتناولهم وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله؟ وقاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلا الله، وبقاء الإسلام ومسماه، مع بعض ما ذكر الفقهاء في باب حكم المرتد أظهر من بقائه مع عباده الصالحين ودعائهم. ( منهاج التأسيس ص76-77 )

قلت : فانظر, وخذ العلم من أهله, وتأمل كيف نقل الشيخ عبداللطيف عن جده الشيخ محمد بن عبدالوهاب توقفه في كفر من يعبد قبة الكواز , من جهال القبوريين , ثم قال بعدها كلمة الفصل بيننا وبين مخالفينا من مرجئة العصر – لو كانوا يفقهون – قال رحمه الله : وأما الشرك فهو يصدق عليهم، واسمه يتناولهم وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله وقاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلا الله ؟ وبقاء الإسلام ومسماه، مع بعض ما ذكر الفقهاء في باب حكم المرتد أظهر من بقائه مع عباده الصالحين ودعائهم. انتهى

وقد يقول قائل : ما الذي ألجأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله, لهذا المسلك مع خصومه ومخالفيه , من لين الخطاب, والإمساك عن بعض المسائل ؟
والجواب : أن الشيخ ظهر في زمن غربة شديدة في الدين, كان العلماء لا يرون عبادة القبور شركا مناقضا لكلمة التوحيد, بل إنهم لا يفهمون معنى كلمة التوحيد , وفي هذا يقول الشيخ في بعض رسائله : وأنا أخبركم عن نفسي، والله الذي لا إله إلا هو، لقد طلبت العلم، واعتقدَ من عرفني أن لي معرفة، وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى "لا إله إلا الله"، ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به، وكذلك مشايخي، ما منهم رجل عرف ذلك. فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى "لا اله إلا الله"، أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم عن مشايخه أن أحداً عرف ذلك ، فقد كذب وافترى، ولبس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه. انتهى (المؤلفات 6/186-187 ) و ( الدرر السنية 10/51 )
وقال شيخ الإسلام الثاني الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : وبسبب جهل كثير مما دلت عليه لا إله إلا الله، لم ينكروا عبادة الطواغيت، والأشجار، والأحجار، والقبور; وذلك أنه لا يعرف عن أحد من العلماء، في العصر الذي قام فيه شيخنا، رحمه الله، ولا ما قبله، أنه أنكر الشرك في الإلهية، ودعا الناس إلى أن يعبدوا الله وحده.
فبسبب الجهل بهذا التوحيد، الذي هو حق الله على عباده أنكروا على شيخنا رحمه الله تعالى، لما دعا الناس في القرن الثاني عشر، إلى ما دعت إليه الرسل: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [سورة المؤمنون آية: 32] {أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [سورة هود آية: 26] ، {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍأَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} [سورة هود آية: 1-2-3] . فالوقت الذي صارت دعوة الرسل فيه عند أهله منكرا، فالإسلام فيه قد بلغ في الغربة إلى غايتها ومنتهاها. انتهى ( الدرر السنية 10/402-403 )

وقال – أيضا - : وفي حدود القرن العاشر وما بعده، لا يعرف أحد من العلماء تكلم بالتوحيد ودعا إليه، وعرف هذا الشرك ونهى عنه، حتى أظهر الله هذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، في آخر هذه الأمة، وهي نعمة عظيمة، فبين حقيقة التوحيد، وأنواعه، على ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، لا يعدل عن طريقتهم. فأنكر كل بدعة بأدلة الكتاب والسنة، وأحيا السنن، وحمل من اتبعه وأطاعه على العمل بالتوحيد، وشرائع الإسلام، والنهي عن جميع المحارم والآثام، فأخرج الله به الكثير من الظلمات إلى النور؛ فتركوا عبادة الأشجار والأحجار، والطواغيت والقبور، والتزموا ما شرعه الله في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. انتهى ( السابق ص572-573 )
قلت : فهذه صورة قاتمة للعصر الذي ظهر فيه الشيخ؛ لتلتمس له العذر في أسلوبه اللين وسكوته عن أشياء في مكاتباته الشخصية, كما تقدم, لشدة ما كان فيه من الغربة وطمس معالم الدين الصحيح .

وعليه : فلا يجوز لأحد أن يستخرج نصا من خطابات الشيخ الشخصية ثم يبني عليه عقيدة أو مذهبا للشيخ, إلا إذا كان هذا النص موافقا لما جاء في كتبه المحررة ككتاب التوحيد وكشف الشبهات والأصول الثلاثة ونحوها . أو نص أحد أئمة الدعوة على أن هذا النص هو عقيدة للشيخ أو مذهب له . وما عدا ذلك فهو من الكذب على الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

فهذا ما تيسر جمعه وعرضه في هذه المسألة الخطيرة , لبيان الحق, ولكشف الغلط والمغالطة والفهوم الزائفة التي لبست ثياب السلفية وهي في حقيقتها توجهات إرجائية . وفيما ذكرته كفاية إن شاء الله لطالب الحق , وقد كان قصدي – من الأساس – أن أبين مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله, في مسألة عذر عباد القبور بالجهل, وأن أنفي عنه ما تنسبه إليه المرجئة المعاصرة من قول باطل ليس من عقيدته ولا من دعوته ولا من قول وعقيدة أبنائه وأحفاده وأصحابه رحمة الله عليهم . ليس للمرجئة سلف في هذا الغلط إلا داود بن جرجيس وأمثاله من الزائغين , فالحمد لله الذي وفقنا وعلمنا وهدى قلوبنا إلى الاستفادة والانتفاع من كتب أئمة السنة , ولا سيما أئمة الدعوة رحمهم الله, أهل التحقيق والتخصص الفريد في هذه المطالب العالية والمسائل الجليلة .
وأختم هذه السلسة المباركة من المقالات بما قاله الشيخ إسحاق بن عبدالرحمن بن حسن في خاتمة رسالته الفريدة ( حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة ) حيث قال رحمه الله : فتأمل إن كنت ممن يطلب الحق بدليله , وإن كنت ممن صمم على الباطل وأراد أن يستدل عليه بما أُجمل من كلام العلماء فلا عجب. انتهى
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

حرره /
عبدالحميد بن خليوي الجهني
الخميس 19 صفر 1436هـ


من مواضيعي
0 تحذير الشيخ الفوزان من المرجئ أبو سلمان محمد شريف صاحب كتاب دلائل البرهان
0 الشيخ صالح الفوزان: تحكيم الشريعة الإسلامية عبادة لله
0 جديد: رد الشيخ عبد الله الجربوع على المرجئ غازي بن عوض العرماني
0 الأحد 21/شوال/1435هـ التحذير من ربيع المدخلي داعية التوجهات الإرجائية / الشيخ العلامة عبد العزيز الراجحي
0 الدرس الخامس : الهجرة إلى الحبشة

__________________
يا طالب العلم لا تبغ به بدلا ***** فقد ظفرت ورب اللوح والقلم

التعديل الأخير تم بواسطة منتدى الآفاق السلفية ; 12th December 2014 الساعة 06:11 PM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12th December 2014, 11:03 AM
شاكر بن زكريا شاكر بن زكريا غير متواجد حالياً
عفا الله عنه
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 764
افتراضي

(وكما قال العلامة السلفي الشيخ محمود شكري الألوسي البغدادي رحمه الله, في رده على النبهاني (1/54) : وتسمية من عبد غير الله مسلما, فهو إلى أن يعالج عقله أحوج منه إلى أن يقام الدليل عليه. انتهى)
قلت :رحم الله العلامة الألوسي فما أكثر العقول التى تحتاج إلى علاج في عصرنا هذا وخاصة عقول مرجئة العصر.
جزاك الله خيرا شيخنا فقد بصرتنا بكثير من الأمور نور الله بصيرتك وأجزل لك المثوبة والأجر العظيم.

من مواضيعي
0 إعلان عن الدورة العلمية لشيخنا عبد الحميد الجهني حفظه الله
0 تابع دروس شرح الرحبية المفرغة
0 والله يعصمك من الناس
0 اعلان عن الدورة العلمية الرمضانية في تفسير كلام رب البرية
0 استمع للشيخ مقبل وهو يرد على شبهة من شبه الحزبيين

__________________
قال عثمان رضى الله عنه ( لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم) اللهم ارزقنا تلاوة كتابك اناء الليل وأطراف النهار وأرزقنا العمل به

التعديل الأخير تم بواسطة شاكر بن زكريا ; 12th December 2014 الساعة 06:46 PM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12th December 2014, 01:17 PM
أبوعبدالله علي عبدالسلام أبوعبدالله علي عبدالسلام غير متواجد حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: Mar 2014
المشاركات: 152
افتراضي

للّه درك يا شيخ عبدالحميد أزلت كثيرا من الإشكالات التي قد أوردها
المرجئة من بعض أقوال شيخ الإسلام التي ظاهرها تخالف أقواله الصريحة
في المسألة

وشتان بين من أراد أن يكتب لبيان الحق وبين من يكتب لنصرة بدعته
فالأول يأتي بالذي له والذي عليه ويجمع بين النصوص ويرد المتشابه
للمحكم ويقدم المنطوق على المفهوم ....وإلخ

والثاني كالذباب لا يقع إلا على القذر فصاحب البدعة لايذكر إلا ما يظن
أنّه سينصر بدعته ونسي أن للدين رجال يذبون عنه وينصرونه

من مواضيعي
0 ذم التعصب لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله
0 من الأولى بحذف كلامه يا إدارة سحاب العلامة الفوزان أو المرجئ العراقي
0 مابين ربيع السنة وربيع الإرجاء
0 هل كان شيخ الإسلام حداديا يا ربيع المدخلي
0 طلب مستعجل

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12th December 2014, 02:52 PM
نور الدّين بن العربيّ بن خليفة نور الدّين بن العربيّ بن خليفة غير متواجد حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: Nov 2014
المشاركات: 189
افتراضي

رسالة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب إلى أحمد بن عبدالكريم
( بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن عبد الكريم ، سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين . أما بعد .
فقد وصل مكتوبك تُقرر المسألة التي ذكرتَ ، وتذكر أن عليك إشكالاً تطلب إزالته ، ثم ورد منك مراسلة تذكر أنك عثرتَ على كلام للشيخ(1) أزال عنك الإشكال فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام، وعلى أي شئ يدل كلامه، على أن من عبد الأوثان عبادة أكثر من عبادة اللات والعزى وسب دين الرسول بعد ما شهد به مثل سب أبي جهل أنه لا يكفر بعينه ، بل العبارة صريحة واضحة في تكفير مثل ابن فيروز وصالح ابن عبد الله وأمثالهما كفرا ظاهراً ينقل عن الملة فضلاً عن غيرهما ، هذا صريح واضح في كلام ابن القيم الذي ذكرت وفي كلام الشيخ (1) الذي أزال عنك الإشكال في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله ، ودعاهم في الشدائد والرخاء ،وسب دين الرسل بعد ما أقر به ، ودان بعبادة الأوثان بعد ما أقر بها ، وليس في كلامي هذا مجازفة بل أنت تشهد به عليهم ولكن إذا أعمى الله القلب فلا حيلة فيه ، وأنا أخاف عليك من قوله تعالى : " ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهوا " (المنافقون آية : 3) والشبهة التي دخلت عليك هذه البضيعة التي في يدك تخاف تتغدى أنت وعيالك إذا تركت بلد المشركين وشاك في رزق الله ، وأيضا قرناء السوء أضلوك كما هي عادتهم ، وأنت و العياذ بالله تنزل درجة درجة أول مرة في الشك ، وبلد الشرك وموالاتهم والصلاة خلفهم ، وبراءتك من المسلمين مداهنة لهم ، ثم بعد ذلك طحت على ابن غنام وغيره ، وتبرأت من ملة إبراهيم وأشهدتهم على نفسك باتباع المشركين من غير إكراه لكن خوف ومداراة ، وغاب عنك قوله تعالى في عمار بن ياسر وأشباهه : " من يكفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " إلى قوله " ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة " (النحل : آية 106 – 107) فلم يستثن الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان بشرط طمأنينة قلبه ، والإكراه لا يكون على العقيدة بل على القول والفعل ، فقد صرح بأن من قال المكفر أو فعله فقد كفر إلا المكره بالشرط المذكور ، وذلك أن ذلك بسبب إيثار الدنيا لا بسبب العقيدة فتفكر في نفسك هل أكرهوك وعرضوك على السيف مثل عمار أم لا ؟ وتفكر هل هذا بسبب أن عقيدته تغيرت أم بسبب إيثار الدنيا ؟ ولم يبق عليك إلا رتبة واحدة وهي : أنك تصرح مثل ابن رفيع تصريحا بمسبة دين الأنبياء ، وترجع إلى عبادة العيدروس وأبي حديدة وأمثالهما ...) اهـ
..........................
(1) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – .

من مواضيعي
0 الهجاء البديع في إرجاء ربيع
0 بيان لبعض المفاقر في مقال ربيع المدخلي الأخير
0 من صور الانفلات الغير مسبوق
0 الدّليل على كفر تارك أعمال الجوارح من كتاب الله
0 دولة الإباحيّة و الانحلال

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13th December 2014, 07:26 AM
الصورة الرمزية أحمد بن إبراهيم بن علي
أحمد بن إبراهيم بن علي أحمد بن إبراهيم بن علي غير متواجد حالياً
وفقه الله ونفع به
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
العمر: 37
المشاركات: 1,718
افتراضي

جزاك الله خيرا.

من مواضيعي
0 جديد موقع صوتيات الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله : (شرح كتاب نيل الأوطار للشوكاني رحمه الله)
0 تابع شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ صالح السحيمي
0 الرد على من يزعم أن يأجوج ومأجوج هم روسية وأن سدهم قد اندك من زمان
0 الشيخ ابن باز: من عرف بدعاء الأموات ونحو ذلك من أنواع العبادة فهو مشرك كافر لا تجوز مناكحته ولا معاملته معاملة المسلم ولا يلتفت لكونه جاهل
0 رسالة أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم للشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله بشرح الشيخ صالح السحيمي حفظه الله

__________________
الشيخ صالح الفوزان: "بعض الجهال أو المغرضين يستنكرون الكلام في أسباب الردة عن الإسلام ويصفون من يتكلم في ذلك بأنه تكفيري ويحذرون منه" اهـ[شرح نواقض الإسلام ص:20]
قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: وهذه الشبهة التي ذكرنا [ نكفر النوع ولا نعين الشخص المتلبس بالشرك إلا بعد التعريف] قد وقع مثلها أو دونها لأناس في زمن الشيخ محمد رحمه الله ولكن مَنْ وقعت له يراها شبهة ويطلب كشفها، وأما من ذكرنا فإنهم يجعلونها أصلا ويحكمون على عامة المشركين بالتعريف ويُجَهِّلون من خالفهم فلا يوفقون للصواب، لأن لهم في ذلك هوى وهو مخالطة المشركين، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، الله أكبر ما أكثر المنحرفين وهم لا يشعرون.. [حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة]
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:21 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الآفاق السلفية

a.d - i.s.s.w