الرئيسية اتصل بنا
 
 


العودة   منتديات الآفاق السلفية > أقسام المنتديات الرئيسية > منبر الرد على المرجئة المعاصرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 3rd December 2014, 03:02 AM
نور الدّين بن العربيّ بن خليفة نور الدّين بن العربيّ بن خليفة غير متواجد حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: Nov 2014
المشاركات: 189
افتراضي نفي الغلط ؛ عن مفهوم حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – : ( لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطّ ) .

نفي الغلط ؛ عن مفهوم حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – : ( لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطّ ) .
عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ( إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ : رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ ؛ فَيُقَالُ لَهُمْ : أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ : رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ : ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوه، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ : رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ : ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ : رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا، ثُمَّ يَقُولُ : ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ : رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ : إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا .
فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ ).[1 ]
الحمد لله العليّ في دنوّه، القريب في علوّه، الذي رغّب في ثوابه، ورهب من عقابه، فهو أعدل من أوعد، و أوفى من وعد، وصلّى الله على نبيّنا محمّد.
أمّا بعد :
فقد استدلّ من يرى صحّة ثبوت أصل الإيمان بلا عمل ظاهر، ونجاة صاحبه من الخلود في النّار، إذا كان موحدا ولم يشرك بالله شيئا ؛ مع قدرته على العمل – كما يزعمون – !! بهذا الحديث ، وجعلوه العمدة في هذه المسألة !! و وجه الشّاهد منه قوله – صلّى الله عليه وسلّم – : ( فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ ) .
وهؤلاء و إن كانوا يقولون بأنّ الإيمان قول وعمل؛ قول القلب واللّسان، وعمل القلب و الجوارح ، وهو يزيد وينقص، ووافقوا السّلف في الاسم ؛ فقد خالفوا إجماع السّلف في الحكم !! وما يتركّب منه أقلّ الإيمان الواجب وأدناه!! وما يترتّب عليه من أحكام دنويية و أخرويّة!!
فهؤلاء قالوا : أنّ أقلّ الإيمان الواجب؛ يتكوّن من قول القلب و اللّسان، وعمل القلب دون عمل الجوارح!!
والسّلف قالوا بالإجماع : أنّ أقلّ الإيمان الواجب؛ يتكوّن من قول القلب و اللّسان، وعمل القلب وعمل الجوارح معا جميعا ولا يجزئ واحد منها دون الآخر .
وهؤلاء قالوا : إنّ تارك عمل الجوارح بالكليّة مع القدرة؛ مؤمن ناقص الإيمان، وأثبتوا له مطلق الإيمان الذي ينجو به العبد من الخلود في النّار!!
والسّلف قالوا : إنّ تارك عمل الجوارح بالكليّة مع القدرة؛ كافر لا دين له، وهو خالد مخلّد في نار جهنّم يوم القيامة .
ثمّ بعد ذلك يحتجّ هؤلاء !! علينا بهذه الشّبهة الخبيثة ويقولون : كيف يكون مرجئا من يقول : « الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص »؟ وقد قال السّلف : « مَنْ قَالَ : الإِيمَان قَولٌ وعَملٌ، يَزيدُ وَيَنْقَصُ، فَقدْ خَرَجَ مِنَ الإِرْجَاءِ كُلِّهِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ »؟[ 2 ]
فأقول :
إذا أردت أن تعرف إرجاء هؤلاء؛ فلا تسألهم عن تعريف الإيمان؛ وقد جعلوا من إقرارهم هذا بقول السّلف في الظّاهر؛ مطيّة ذلولا لتمرير جهلهم وبدعتهم، ولكن اسألهم عن مطلق الإيمان، وما يتركّب منه أقلّه الذي ينجو به العبد من الخلود في النّار ؟ وسوف ترى حينها الفضيحة بأمّ عينها وكيف أنّهم يخرجون عمل الجوارح منه، و إن غمغموا وجمجموا ورمزوا للأشياء بغير حقائقها، فإذا حوصروا بهذه الحجّة؛ فزعوا إلى تلبيسهم الماكر بقولهم : كيف يكون مرجئا من يقول : « الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص »!!؟
فيا هؤلاء!! وأيم الله يمينا جازما إنّكم لكاذبون، فإنّ السّلف لم يفرّقوا بهذا التّعريف بين أقلّ الإيمان و أكثره،وقد نقل الإجماع على هذا التّعريف الشّافعي – رحمه الله – كما حكاه عنه اللالكائي في كتابه ( شرح أصول اعتقاد أهل السّنّة والجماعة) : (5/957) برقم : (1593) – وهو عزو من ثقة عن ثقة – قال : « وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم، ممن أدركناهم يقولون : إن الإيمان قول، وعمل، ونية، لا يُجزئ واحد من الثلاثة؛ إلاّ بالآخر» اهـ.
فكن أيّها السّنيّ من هذه على بيّنة، وكن منهم على حذر، فقد اغترّ بخداعاتهم الضّعفاء، وتنبّه منها الحصفاء، وعلموا أنها فقاقيع ماء.
فإن قيل : وما الجواب على ما استدلّوا به من هذا الحديث ؟
فأقول وبالله التّوفيق :
أوّلا :
هذا الحديث من بين الأحاديث الكثيرة التي تعرف بـ : أحاديث الشّفاعة يوم القيامة، وتكون بشفاعة الشّافعين، من الملائكة، والنّبيّين، و المؤمنين، بعد إذن الله تعالى لهم لقول سبحانه : ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وتكون كذلك بشفاعة أرحم الرّاحمين دون مخلوق، في أهل الكبائر ممن أراد الله رحمته، و كان لا يشرك بالله شيئًا، والجميع يخرج منها برحمة الله وحده سبحانه وتعالى، ولولا أنّ الله شاء أن يخرجوا منها؛ لما قبل فيهم شفاعة شافع ، يقول الله تعالى : ﴿ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى .
وهذه الشّفاعة قد افترق النّاس فيها إلى ثلاثة أقسام؛ إلى طرفين ووسط، فاليهود و النّصارى و المشركون و المرجئة ومن وافقهم؛ أثبتوا الشّفاعة التي نفاها الله في كتابه و على لسان نبيّه – صلّى الله عليه وسلّم – !! والخوارج والمعتزلة و من شاكلهم؛ نفوا الشّفاعة الثابتة في أهل الكبائر من الموحّدين وأنكروها !! و أمّا أهل السّنة؛ فأنكروا الشّفاعة المنفية؛ و أخذوا بالثّابت منها في كتاب الله، و في سنّة رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم –.
ثانيا :
لهذا الحديث طرق عديدة، مختصرة ومتقصّاة، عن عدد من الصّحابة – رضي الله عنهم – يفسّر،و يتمّ بعضها بعضا، لذا؛ وجب الجمع بينها، والمصير إليها؛ لإدراك الصّواب، وتقيد مالابد من تقييده؛ ليزول الشكّ، و الارتياب، وقد روي في الباب عن : أبي هريرة ، وأنس بن مالك ، وحذيفة بن اليمان ، وجابر بن عبد الله ، وعمران بن حصين ، وأبي بكر الصّديق ، وعبد الله بن عبّاس ، وأبي موسى الأشعري ، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب ... وغيرهم – رضي الله عنهم جميعا وجمعنا بهم مع سيّد الشّفعاءصلّى الله عليه وسلّم في جنّات النّعيم – .
وبعد التأمّل في هذه الرّوايات و الجمع بينها، نخرج بمايلي :
أنّ هذه الشّفاعة؛ تعمّ أمّة محمّد – صلّى الله عليه وسلّم – ومن سبقها من الأمم الأخرى ، ومعلوم أنّ شريعة من قبلنا ليست بشريعة لنا ، فيُحتمل أنّ من يخرج بالقبضة ممن ( لمْ يَعمَلْ خَيراً قَطُّ ) ؛ يكون ممن سبقنا من الأمم التي كانت قبلنا ممن كان لا يشرك بالله شيئا، ويكون قول النّبيّ– صلى الله عليه وسلم – بعد شفاعته في الثّالثة : ( حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ ) [ 3 ] أي وجب عليه الخلود من أمّته فقط ؛ لا من الأمم التي سبقته، ولذلك لمّا عاد في الرّابعة و قال : ( فَأَقُولُ يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِي مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ) [ 4 ] ،قال له ربّ العزّة : ( لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ أَوْ لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكَ ) [ 5 ] أي : أن من بقي ليسوا من أمّتك فليس ذلك لك، بخلاف الشفاعة العظمى؛ فقد كانت للخلائق جميعا، ثمّ قال الرّب تبارك وتعالى بعدها : ( وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ) [ 6 ] ومعلوم أنّ شفاعة النّبي– صلّى الله عليه وسلّم – كانت كذلك في من قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ من أمّته، ولم يشرك بالله شيئا.
و بهذا الاحتمال تكون شفاعة النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – من حيث التّرتيب؛ هي آخر شفاعة قبل شفاعة أرحم الرّاحمين بقبضته، وهذا لا يعارض حديث : ( أَنَا أَوّلُ شَافِعٍ )[ 7 ] لأنّه محمول على الشفاعة العظمى .
وهناك احتمال آخر لا تقتضي أن تكون معه شفاعة النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – هي الأخيرة من حيث التّرتيب قبل شفاعة أرحم الرّاحمين، وذلك بأن يكون النبي– صلّى الله عليه وسلّم – قال : ( حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ ) من باب الإخبار لا من باب الحكم أي : بحسب علمه هو في ذلك الموقف ؛ لا بعلم الله جلّ في علاه وسيأتي مزيد بيان لهذا .
وممّا يوضّح أنّ هذه الشّفاعة ليست خاصّة بأمّة محمّد – صلّى الله عليه وسلّم – فقط ؛ شفاعة الشّافعين التي ليست على سبيل التّدلّي التّام المطّرد ، فقد شفع المؤمنون في مثقال حدّ معين؛ ثمّ عادوا فشفعوا في مثقال حدّ معيّن آخر؛ ثمّ عادوا فشفعوا في مثقال حدّ معيّن ثالث يختلف عن سابقيه، وبمثل حدّهم شفعت الملائكة، و شفع النّبيّون ، و الكلّ كان يقول : ( رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا ) ولو حُمل كلامهم هذا على سبيل الحصر و التّقصي التام؛ لما بقي للملائكة و النّبيّين من مثقال يشفعون فيه بعد شفاعة المؤمنين.
إذا فإنّ هذه الدّفعات التي تناوب على إخراجها المؤمنون والنّبيّون والملائكة بتلك الحدود والموازين المعيّنة؛ لم يكن إخراجهم لها على سبيل الحصر و الإحاطة التّامة وإن قالوا : ( رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا ) ، وإنّما كان قولهم هذا على سبيل علمهم و معرفتهم حيث قيل لهم : ( أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ )، وهذا الأمرمن العام الذي يراد به الخاص ، وفي رواية : ( فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ) [ 8 ] ، ولذلك لمّا فرغوا من شفاعتهم قال الله تبارك و تعالى كما في رواية أخرى : ( اَلْآنَ أُخْرٍجُ بِعِلْمِي وَرَحْمَتِي ) [ 9 ] ،(فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ ) على وجه التّمام و الكمال الواجبين، وسيأتي مزيد بيان لذلك .
وفيها أنّ الله جلّ جلاله؛ قد حدّ للشّافعين حدّا معيّنا بصفتين في جميع الدّفعات وهما :
_ الصّفة الأولى هي حدّ الصّورة ؛ لقوله : (فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ) وفي رواية أخرى :(فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ ابنَ آدَمَ إلّا أثَرَ السُّجُودِ ) [ 10 ] و وفي رواية ( إلاّ دَارَاتِ اَلْوُجُوهِ ) [ 11 ] ، فهذه الصّور؛ هي التي تمثّل العمل الظّاهر .
_ الصّفة الثّانية هي حدّ الوزن ؛ لقوله : ( ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوه ) ، وقوله : ( مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ ) ، وقوله : ( مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ) ... وهذا الوزن؛ هو الذي يمثّل العمل الباطن .
وهذا الذي يسمّيه أهل السّنة بالتّلازم بين الظّاهر و الباطن، مع أنّ هذا الحديث من جملة أدلّة المخالفين بل وعمدتهم؛ فانقلب عليهم كما ترى، فإنّه من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم؛ لا يتقاضاه فعل طاعة أو ترك معصية، لذلك فلا يصحّ إيمان مجرّد بدون عمل، ومن زعم صحّته؛ فقد أعظم على الله الفرية ، قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية – رحمه الله – كم في (المجموع : 50/7) :« فَإِنَّ الْمُرْجِئَةَ لَا تُنَازِعُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ يَدْعُو إلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ، وَالطَّاعَةُ مِنْ ثَمَرَاتِهِ وَنَتَائِجِهِ، لَكِنَّهَا تُنَازِعُ هَلْ يَسْتَلْزِمُ الطَّاعَةَ؟!! ».
وفيها أن المؤمنين لما شفّعهم الله في إخوانهم الذين كانوا يصلّون معهم، ويصومون معهم، ويحجّون معهم في المرة الأولى، فأخرجوهم من النار، لا يعني ذلك أنّهم لمّا شفعوا في المرات الأخرى، وأخرجوا بشرًا كثيرًا؛ لم يكن فيهم مصلون !!، وذلك لمّا يلي :
أنّ أقلّ شيئ في حدّ الصّورة؛ كان ثابتا غير متغيّر وهو أثر السّجود، وهو الذي يمثّل الإيمان الظّاهر، بخلاف حدّ الوزن الذي يمثّل الإيمان الباطن، فقد كان متغيّرا في الدّفعات الثّلاث، ودليل هذا؛ أنّه لمّا شفعت الملائكة و أُمروا أن يُخرجوا ( مِنَ النّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشّرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، مِمَنْ أَراَدَ اللهُ أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَنْ يَشْهَدُ أنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) ؛ ( عَرَفُوهُمْ فِي النّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ ابنَ آدَمَ إلّا أثَرَ السُّجُودِ) كما هو اللفظ في ( صحيح مسلم ) وعند البخاري كذلك من حديث أبي هريرة ، وقد كانت شفاعتهم بعد شفاعة المؤمنين .
ومنها نعلم أنّ حدّ الصّورة حُذف إيجازا لثبات أقلّه الغير متغير، وظهوره، مع استوائه في الحاجة في جميع الدّفعات، وهذا من أنواع البلاغة العربية، ومثاله في كتاب الله؛ قوله جلّ جلاله : ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ أي مائة صابرة ؛ وقد حذفت إيجازا لوضوحا، واستوائها في الاشتراط ، و كذلك في آية التّخفيف بعدها، والأمثلة على هذا كثيرة جدا .
فإن قيل : بأن من يخرجون في القبضة؛ هم الذين لم يكن عندهم أيّ عمل ظاهر لعموم قوله : ( لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ) !!
فيجاب عليهم بالآتي :
إنّ لفظة خير هنا؛ جاءت نكرة في سياق النّفي، فهي تعمّ جميع الأعمال الظاهرة و الباطنة، وهذا المفهوم مخالف لإجماع السّلف ، ولا يقول به إلّا من قصر علمه و عيي فهمه، لذا فيقال ولابد : أنّ هذا اللّفظ من قبيل العامّ المخصّص بأدلّة أخرى كثيرة؛ قد دلّت على دخول الأعمال الظّاهرة و الباطنة في الإيمان، و أنّه لا يصحّ بدونها، وبهذا نعلم أنّ معنى آخرَ الحديثِ ( فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ ) مَردُودٌ على ما تقدّم من مفهوم أوّله، من أنّ جميع المخرجين؛ كانوا من المصلّين الذين يحملون معهم آثار السّجود، وهو الذي يسمّى في اللغة بالمفهوم الذهني القريب، وبهذا يتلاءم السّياق، وحتّى لا يقال مع الله سبحانه وتعالى أنّه يعلمهم بآثار الصّلاة ؛ أو بحدّ معيّن آخر وهو علّام الغيوب .
فإن قال قائل : كيف يصحّ أن يقال عن شخص : لم يعمل خيرا قطّ؛ وقد عمل؟ فيجاب عليه :
بأنّ المنفيّ هنا هو الكمال الواجب من العمل لا أصله، و هذا من قبيل كلام العرب في نفي العمل عن صاحبه إذا كان على غير وجهه وحقيقته [ 12 ] ، ومثاله ماجاء عن أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه– أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى؛ ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه – صلى الله عليه وسلم– : ( وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ) [ 13 ] وهذا واضح في التّمثيل .
وعلى هذا تكون لفظة : ( لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ ) موافقة لمذهب السّلف بمقتضى اللّغة و الشرع، وقد أُمرنا باتّباع فهمهم؛ لأنهم أهل كلمة الله التي هي العليا، والتّمسك بما كانوا عليه هو ما يقتضيه صدق الإيمان لقوله تعالى : ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، والحمد لله رب العالمين.
والله أعلم ، وصلّى الله على نبيّنا محمد.
كتبه :
نورالدّين بن العربيّ بن خليفة
غفرالله له ولوالديه
.................................................. ..........................
.[ 1 ] رواه مسلم بهذا اللّفظ برقم : ( 183 ) والبخاري مختصرا برقم : ( 4919 ) ومطوّلا برقم : ( 7439 ).
.[ 2 ] انظر « شرح السّنة » للبربهاري ( ص : 123 ) و« السّنة » للخلّال برقم : ( 1009 ) .
[ 3 ].البخاري برقم : ( 7002 ) عن أنس – رضي الله عنه – .
[ 4 ].و [ 6 ] البخاري برقم : ( 7072 ) ومسلم (ص : 184 ) عن أنس – رضي الله عنه – .
[ 5 ].مسلم (ص : 184 ) عن أنس – رضي الله عنه – .
.[ 7 ] مسلم برقم : ( 2278 ) عن أبي هريرة – رضي الله عنه – .
[ 8 ].البخاري برقم : ( 7002 ) من حديث أبي سعيد – رضي الله عنه – .
.[ 9 ] أحمد برقم : ( 14082 ) عن جابر – رضي الله عنه – .
[ 10 ] البخاري برقم : ( 7000 ) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – .
.[ 11 ] مسلم برقم : ( 191 ) من حديث جابر– رضي الله عنه – .
.[ 12 ] انظر كتاب « الإيمان» ( ص : 80 ) لأبي عبيد القاسم بن سلّام و كتاب « التّوحيد» ( 2/732 ) لابن خزيمة.
.[ 13 ] البخاري برقم : ( 5897 ) .

من مواضيعي
0 انظروا إلى هذا الذّبح الوحشي
0 الخلافة الإسلامية مطلب شرعي بالإجماع
0 دولة الإباحيّة و الانحلال
0 من هو الإرهابيّ في منظور الأنظمة العربيّة و الغربيّة و التّيّارت المناهضة للإسلام
0 خبر عاجل ! ! !

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:40 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الآفاق السلفية

a.d - i.s.s.w