الرئيسية اتصل بنا
 
 


العودة   منتديات الآفاق السلفية > أقسام المنتديات الرئيسية > منبر الآفاق السلفية العلمي الــعـام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 1st November 2017, 11:10 AM
معرف آلي يعمل بخدمة (rss)
 
تاريخ التسجيل: Aug 2012
المشاركات: 111
افتراضي من المختارات لكم (122): علماء الدين بين عزة التبيين وذلة لعنة اللاعنين

عـلـمـــاء الــدِّين
بين عزة التبيين وذلة لعنة اللاعنين
الحمدُ للهِ الذي جعلَ في كُلِّ زمانِ فترةٍ من الرُّسل: بقايا مِن أهلِ العلمِ يَدْعونَ مَن ضلَّ إلى الهُدى، ويَصبرون منهم عَلى الأذى، يُحيونَ بِكتاب اللهِ الموتَى، ويبصِّرون بنورِ الله أهلَ العَمى، فَكم مِن قتيلٍ لإبليسَ قَد أحْيَوه، وَكَم مِن ضَالٍّ تائهٍ قَد هَدوه، فَما أحسن أثرُهم عَلى النّاس، وأقبح أثَرُ الناسِ عليهم.
ينفونَ عَن كتابِ الله تَحريفَ الغَالِين، وانْتِحَالَ المُبطلين، وتأويلَ الجَاهلين، الَّذين عَقدوا ألويةَ البِدع، وأطْلَقوا عِقالَ الفِتْنة، فَهم مُختلِفون في الكتاب، مُخالِفُون للكتاب، مُجْمِعُون عَلى مُفارقةِ الكِتاب، يَقولونَ عَلى اللهِ، وفِي اللهِ، وفِي كِتابِ اللهِ بغير عِلْم يَتكلَّمون بالمتشابِهِ من الكَلام، وَيخدعون جهالَ الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين.
وصَلَّى الله على الهادي البشير والسِّراجِ المنير، مَن جَاء بالحقِّ وبهِ عَدَل، وأزهقَ الله بِهِ الباطلَ واضْمَحَل، وَعَلى أصْحَابِه الَّذِين قامُوا في نصرةِ الدِّين خير مَقام، ونَالوا شَرَف مؤازرةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلم ورِضَى الملِكِ العَلّام.
أما بعد:
فـ"إنَّ اللَه عزَّ وجل، وتقدَّسَت أسماؤُه، اختصَّ مِن خَلقِه منْ أحبَّ، فهَدَاهم للإيمانِ، ثُمَّ اختصَّ من سائرِ المؤمنينَ مَن أحبَّ، فتفضَّل عليهم، فعلَّمهم الكتابَ والحكمةَ وفقَّههُم في الدِّين، وعلَّمهم التَّأويل وفضَّلهم على سائرِ المؤمنين، وذلك في كلِّ زمانٍ وأوانٍ، رفعهم بالعلمِ وزيَّنَهم بالحلمِ، بهم يُعرف الحلالُ من الحرامِ، والحقُّ من الباطلِ، والضَّار من النَّافع، والحسنُ من القَبيحِ، فضلُهم عظيمٌ، وخطرهم جزيل، ورثةُ الأنبياء، وقُرَّة عينِ الأولياءِ، الحيتانُ في البحارِ لهم تستغفر، والملائكةُ بأجنحتها لهم تَخْضع، والعلماءُ في القيامة بعدَ الأنبياء تَشْفع، مجالسهم تفيدُ الحِكمة، وبأعمالِهم ينزجرُ أهلُ الغفلة، هُم أفضلُ من العباد، وأعْلى درجةً من الزهَّاد، حياتُهم غَنيمة، وموتُهم مصيبة، يُذكِّرون الغافل، ويعلِّمون الجاهل، لا يُتوقع لهم بائقة، ولا يُخاف منهم غائلة، بُحسنِ تأديبِهم يتنازع المطيعون، وبجميلِ موعظتِهم يرجعُ المقصِّرون، جميعُ الخلق إلى علمِهم محتاجٌ، والصحيح على من خالف بقولهم محجاج، الطَّاعة لهم من جميع الخلق واجبةٌ، والمعصية لهم محرَّمة، من أطاعهم رَشَد، وَمَن عصاهُم عَنَد، ما ورد على إمامِ المسلمين من أمرٍ اشتبه عليه، حتى وقف فيه فبقول العلماء يعمل، وعن رأيهم يصدر، وما ورد على أمراء المسلمين من حكم لا علم لهم به فبقولهم يعملون، وعن رأيهِم يَصدرون، وما أشكل على قُضاةِ المسلمين مِن حُكمٍ، فبقولِ العلماءِ يحكمون، وعليهِ يعولون، فهم سِراجُ العبادِ، ومنارُ البِلادِ، وقِوام الأُمَّة، وينابيعُ الحِكمة، هُم غَيظُ الشيطان، بهم تحيا قُلوب أهلِ الحقِّ، وتموتُ قلوبُ أهلِ الزَّيغِ، مَثَلُهم في الأرضِ كَمثلِ النُّجومِ في السَّماء، يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إذا انطمست النجوم تحيروا، وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا"(1).
وإنَّ مِن عظيمِ مَا أخذَ اللهُ على العُلماءِ: البيانُ للنَّاسِ وعدمُ الكِتمانِ، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهي عَن المنْكَر على مِنهاجِ أهلِ السُنَّة والجَماعةِ، بُراءُ مِن مذهبِ الخوارجِ، ويَبْتغونَ الأجر ?مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ? [المعارج: 3]، وبراء من مذهب المرجئة الذين يلعبون بالدين، ويهونون المحرمات للعامة والسلاطين، وإنما هم يبيّنون دين الله بالعلم والعدل والعقل والحكمة، ولا تأخذهم في ذلك لومةُ لائم، وَقَد أخَذ الله تعالى على كلِّ صاحب علم العهدَ والمِيثاقَ ببيانِهِ للنَّاسِ وعدم كتمانِه؛ كَما قال عز وجل: ?وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ?(آل عمران:187) وقال سبحانه وتعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ?(البقرة:159).
وهذا خطابٌ عام لكلِّ مُسلمٍ ومُسلمة عَلِمَ من دينِ الله تعالى شيئاً من دقيقِ الأمور وجليّها، لا يحل له كتمانُ ما أنزل الله على عباده، كما قال النبيُّr في عموم خطابه لأمته: «بلَّغوا عنّي ولو آية»، مستحضرين جميعاً قولهr: «ومن كَذَب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعدَه من النَّار»، وقد قال تعالى في بيان قيد الاتِّباع الصادقِ للنبيr: ?قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ? [يوسف: 108] فلنْ يكونَ العبدُ صادقَ الاتِّباعِ للنبيr حتى يُبيّن ما أنزل الله، ويدعو إلى الله على بصيرة من الله، وعلى هذا درج أئمة السلف الأعلام، وأنصار دين الإسلام، فأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ونصحوا للراعي والرعية، وثَبَتوا على الحق، وثبّتوا الحق، وهُدي بهم الخلق، وسجّل عنهم التاريخ المواقف الشريفة، والأخبار المنيفة، ما فيه قوة لقلوب الموحدين، ومزدجر لقلوب المتخاذلين المرجفين، فهابهم الحكّام، ورضي عنهم العوام، ومن يرضي الله بسخط الناس يرضى الله عنه ويُرضي عنه الناس.
وقد قيل:
وقَــد أخَــذَ الــرَّحمن جـلَّ جلاله
على من حَوَى علمَ الرَّسـولِ وعـلَّما
بنصــحِ جميـعِ الخـلْـقِ فيـما ينوبُهـم
ولا سيِّــما فـيـما أحـلَّ وحــرَّمـــا
فناصح بني الدنيـا في ترك ابتداعهم
فقد صيَّروا نُورَ الشَّـريـعةِ مُـظْــلِما
واليوم ترون كثيراً من أهل المراتب الأكاديمية، والرتب الجامعية، والشهادات التي كُسيّت بها الحيطان، وأنواع الألقاب التي يتحلّى بها أهل الشأن، ولكن لن تروا –وللأسف- من ذلك الجمع الغفير إلا القليل، بل أقلّ القليل! يقومون بأمر الله تعالى أحق القيام، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويغضبون لله ديناً وغيرة، رحماء بالمؤمنين، أعزة على عصاة رب العالمين، لا تأخذهم في الله لومة لائم، يسيرون على صراط مستقيم، وعلى منهجٍ قويم، بين غدرات الخوارج وإسرافهم، وخيانات المرجئة وإسفافهم.
وكأنَّ غاية من سميتُ من تلك التخصصات الشـرعية: طلب المناصب الدنيوية، وعرضٍ من الدنيا قليل! وقد حذّر النبيr ممن هذه غايته، وتلك بغيته، فقال عليه الصلاة والسلام: «من تعلَّم عِلْما ممَّا يُبْتغَى بهِ وجهُ اللهِ، لا يتعلَّمهُ إلَّا ليُصيبَ بهِ عَرَضَاً مِنَ الدُّنيا، لم يَجِد عرف الجنَّة يومَ القيامة» يعني: ريحها، أخرجه أبو داود.
وقد قال تعالى: ?وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ?.
وهذه الآية لعلها إنذار لـ«المتخاذلين» ممَّن آتاهم الله تعالى عِلماً وفِقْها في دينِه ثم ?رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ? (التوبة:87).
إنذار للذين «تعلَّموا» و«تخرَّجوا من الجامعات» و«حفِظوا القرآنَ والسنة» و«ثافنوا العلماء في مجالس العلم» ونالهم من فضل الله «الشيء العظيم» ثم «بَخِلوا به» على الناس، فهؤلاء: ?سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? وكما قال النبيr: «من سُئلَ عَنْ علمٍ فكتَمه ألجْمه الله بلجامِ مِن نَار يومَ القيامة» رواه أبو داود والترمذي.
فصاروا ?كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا? [النحل: 92] شقوا في سبيل العلم وتحصيلِه، ثم جَنُوه ذلة ومهانه، وركنوا إلى أبناء الدنيا، وطلب الشهرة، واسترضاء الخلق!
وكان فيهم شبه بحال من حكى الله قصته فقال: ?وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ * مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ? [الأعراف: 175 - 178].
وكان حالهم كمن قال:
أأشقى به غرســـاً وأجنـيــه ذلة إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما!
وجنس أولئك لا يستحقون منزلة «ورثة الأنبياء» ?وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ?، لأنهم ما قاموا بعهد الله تعالى وميثاقه، الذي قال عنه: ?وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ? [آل عمران:187] ، وقال تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ? [البقرة:159] .
وإنما «ورثة الأنبياء» صدقاً وعَدلاً هم الذين «يَنْتَفعون ويَنْفَعون» كما قال النبيr: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشـَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» متفق عليه.
فليحذر العلماءُ وطلابُ العلمِ من سبيلِ «المتخاذلين» الذين آثروا الدُّنيا على الدين، وابتغوا العزة بها وهم عند الله في الأذلين ?فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ? [الدُخان:2].
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «لو أنَّ أهلَ العلمِ صَانُوا العِلْمَ ووضعُوه عِند أهلِهِ لسَادُوا أهلَ زمانِهم، ولكنَّهم وضَعُوه عِنْد أهلِ الدُّنيا لينالوا من دنياهم فهَانوا عَليهم»، رواه ابن ماجه وغيره.
وفي حواشي تعليق القاضي أبي يعلي ذكر المدائني في كتاب السَّلطان عن علي رضي الله عنه؛ قال: «لو أنَّ حملةَ العِلم حَمَلوه بحقِّه لأَحبَّهُم الله عزَّ وجلَّ وملائكتُه وأهلُ طاعتِه من خلقه، ولكنْ حملُوه لطَلَب الدُّنْيا فمقَتَهُم اللهُ وهانُوا عَلى النَّاس»، نقل ذلك ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (2/ 48).
وأنشد الجرجاني:
ولو أنَّ أهلَ العلمِ صانُوه صَانهم
ولو عظَّمُـوه في النـفـوس لعَظَّما
ولكـن أذلـَّوه فـهـانَ ودنَّـســوا
مُحيـَّـاهُ بالأطـمـاعِ حتـى تـجهَّما
وقال الفضيل بن عياض: «لَوْ أن أَهْل العلم أكرموا أنفسهم وشحُّوا عَلَى دينهم وأعزوا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس وكانوا لهم تبعاً وعز الإسلام وأهله، ولكنهم أذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم فبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيدي الناس فذلوا وهانوا عَلَى الناس».
وسُئل الحسن البصري عن عقوبة العالِم إذا آثر الدنيا؟ فقال: «موت قلبه».
وقال وهب بن منبه: «كان في بني إسرائيل رجال أحداث الأسنان قد قرءوا الكتب وعلموا علماً وأنهم طلبوا بقراءتهم وعلمهم الشرف والمال وأنهم ابتدعوا بها بدعاً أدركوا بها المال والشرف فضلوا وأضلوا».
وقال الآجري في "أخلاق العلماء" (ص90): أخبرنا أبو بكر أخبرنا جعفر بن محمد الصندلي أخبرنا الفضل بن زياد قال: سمعت الفضيل يقول: «إنما هما عالمان , عالم دنيا , وعالم آخرة , فعالم الدنيا علمه منشور , وعالم الآخرة علمه مستور , فاتبعوا عالم الآخرة, واحذروا عالم الدنيا, لا يصدنكم بشره, ثم تلا هذه الآية: ?إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ? [التوبة: 34] الأحبار: العلماء, والرهبان: العباد».
ثم قال: «لكثير من علمائكم زيه أشبه بزي كسرى وقيصر منه بمحمد صلى الله عليه وسلم، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضع لبنة على لبنة, ولا قصبة على قصبة , ولكن رفع له علم فشمر إليه قال الفضيل: «العلماء كثير, والحكماء قليل , وإنما يراد من العلم الحكمة , فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا».
قال محمد بن الحسين –الآجري-: قول الفضيل - والله أعلم -: «الفقهاء كثير, والحكماء قليل»، يعني: قليل من العلماء من صان علمه عن الدنيا, وطلب به الآخرة , والكثير من العلماء قد افتتن بعلمه , والحكماء قليل , كأنه يقول: ما أعز من طلب بعلمه الآخرة».
وقال أبو حامد الغزالي: «فساد الرعايا بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه».
فاتقوا الله يا طلّاب العلم:
وحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، فما جزاء الإحسانِ إلاّ الإحسان، رفعكم الله تعالى بالعلم، وأظهر أمركم بالسُنَّة، وأكرمكم بعلوم الشريعة، حتى ولِّيتم المناصب، وكسبتم المراتب، وقُدِّمتم في المجالس، واعتليتم المنابر فوق رؤوس العالمين، ونِلْتُم عرضاً من الدنيا رخيص! ثم تحجبون «محفوظَ» العلم في صدور الكتمان، و«مكتوبه» من وراء الجدران!
فمتى يعلم الناس دين الله؟
فقد ذقتم منافع الدين في الدنيا في السرّاء، فآن القيام في نصرة الدين وبذل الدنيا له في الضراء، وما انتشار المنكرات، وغلبة الأهواء، وتهاون الناس بالمحارم، وجرأتهم على المعاصي، واستهزاؤهم بالشرع، وتطاولهم على الأئمة الأعلام، إلا فتنة لنا، وتمحيص لصفوفنا، كما قال تعالى: ?الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ? [العنكبوت: 1 - 3] وما الفتن إلا غرابيل القلوب؛ ليعلم من الصادق في دينه، ومن المنافق الذي لا يريد بالدين إلا الدنيا! قال تعالى: ?وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ? [العنكبوت: 10، 11]، ونعوذ بالله من أن نعبد الله على حرف، فنقبل إليه في السرّاء، وننكص على أعقابنا في الضراء كما قال تعالى: ?وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ? [الحج: 11]، وقال تعالى: ?مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ? [آل عمران: 179- 180] فلا تبخلوا بما آتاكم الله من العلم وبينوه للناس، فلربما كل ما ترونه من فتن وشرور هي لكم لا لغيركم، ليعلم الله الصادق من المنافق، وكيف قام بدين الله من كان قبلكم من مشايخكم الذين مضوا، رحمهم الله، وما هم عليه من السيرة المرضية، والحمية الدينية، وبذل الوسع في نصرة الملة الحنيفية، والنصيحة لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، بإقامة الحجج والبراهين، وقد ابتلاكم الله تعالى بأن جعلكم خلائف في الأرض من بعدهم لينظر كيف تعملون، وسوف يسألكم عما تعملون.
فقوموا بأمرِ الله تعالى جميعاً، كلٌّ على حسب استطاعته؛ كما قال تعالى: ?وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ? [سورة آل عمران آية: 104] ، وقال تعالى: ?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ? [سورة آل عمران آية: 110]، وقال تعالى: ?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ? [سورة التوبة آية: 71] ، وقال تعالى: ?لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ? [سورة المائدة آية: 78-79] ، وقال تعالى: ?فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ? [سورة الأعراف آية: 165].
وروى مسلمٌ في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان».
وروى مسلمٌ أيضاً عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِن نبيٍّ بعثه الله في أمَّةٍ قبلي، إلا كانَ له من أمته حواريون وأصحابٌ يأخذونَ بسنتِهِ، ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخلُف من بعدهم خُلوفٌ، يقولونَ ما لا يَفعلون، ويَفعلون ما لا يُؤمرون، فمن جاهدَهُم بيدِه فهو مُؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانِهِ فهو مُؤمن، ومن جاهدهم بقلبِهِ فهو مُؤمن. وليس وراءَ ذَلك منَ الإيمانِ وَزْنَ حَبَّةِ خَرْدلٍ من إيمان».
وروى الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ظَهَرت المعاصي في أمتي، عمَّهم الله بعذابٍ من عِنْدِه» قال: فقلت: يا رسول الله، أما فيهم يومئذ صالحون؟ قال: «بلى»، قلت: فكيف يصنع بأولئك؟ قال: «يُصيبهم ما أصابَ النَّاس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان».
وروى البخاري عن زينب بنت جحش، قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث».
وروى الترمذي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عذاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم».
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث عمرو بن مرة عن سالم عن أبي الجعد عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من كان قبلكم كانوا إذا عَمِل العاملُ فيهم بالخطيئةِ، جاءه الناهي تعذِيراً، فإذا كانَ الغَد جَالَسه وواكَله وشَارَبه، كأنَّه لم يَرْهُ على خطيئةٍ بالأمس، فلما رأى الله عز وجل ذلك منهم، ضرَب بقلوبِ بَعضِهم عَلى بَعض، ثُمَّ لعنَهم على لِسان نبيِّهم داودَ وعيسىَ ابن مريم، ذلك بما عَصُوا وكانوا يعتدون، والَّذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لتأمُرنّ بالمعروف، ولتَنْهَونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يدِ السَّفيهِ، ولتَأطرنّهُ على الحقِّ أطْراً، أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم بعضاً، ثم يلعنكم كما لعنهم».
وروى ابن ماجه عن عبدالله بن عمر، قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل علينا بوجهه، وقال: «يا معاشر المهاجرين، خمس خصال، وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظَهَرت الفاحشةُ في قومٍ حتى أعْلَنوها، إلا ابتلاهم الله بالطَّواعين والأوجْاعِ التي لم تَكُن في أسْلافِهم الذين مضوا، ولا نَقَص قومٌ المكيالَ والميزان، إلا ابتُلوا بالسِّنينَ وشِدَّةِ المؤونةِ وجورِ السُّلطان، وما مَنَع قومٌ زكاةَ أموالهم إلا مُنِعوا القَطْرَ من السَّماءٍ، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولا خَفَر قومٌ العَهْدَ، إلا سَلَّط الله عليهم عَدواً من غيرِهم، فأخَذوا بعضَ ما في أيديهم، وما لم تَعْمَل أئمتُهم بما أنزل الله عز وجل في كتابه، إلا جعل بأسهم بينَهم».
وروى البخاري عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل القائمِ في حدودِ الله والواقعِ فيهَا، كمثلَ قَوم استهموا في سفينة، فصارَ لبعضهم أعَلاها، ولبعضهم أسفَلها، فكان الذين في أسفلها إذا استَقُوا من الماء مَرُّوا على من فوقِهم، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصيبِنا خَرْقاً، ولم نؤذِ من فوقَنا؛ فإن تركوهم وما أرادوا هلَكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوْا، ونجوْا جميعاً».
قال النووي: «القائم في حدود الله، معناه: المنكر لها، القائم في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود: ما نهى الله عنه».
فلا تستحْقِروا أنفسَكُم بما تقدمونه في سبيل الله، وبيّنوا ما عِنْدكم من عِلْمٍ بَحْسبِ الاستطاعة، وَكَمْ من آيةٍ أو حَدِيثٍ أو أثَرٍ أو خَبَرٍ أو مَوْعَظة: نكأتَ عدواً، وشَفى الله بها قلوبَ قومٍ مؤمنين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحقر أحدكم نفسه» قالوا: يا رسول الله؛ كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: «يرى أمرا لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا، فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى» رواه الإمام أحمد وابن ماجه -واللفظ له- من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وفي لفظٍ عند الإمام أحمد من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعنَّ أحدكم هيبة الناس أن يتكلم بحق إذا رآه أو شهده أو سمعه».
وفي لفظٍ آخر عنده: «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم».
كفَى حَــزَنَاً في الـدِّيــنِ أنَّ حُـماتَه
إذا خَــذلُـوه قُل لنا: كيف يُنصرُ؟
متى يُنصـر الإســلامُ ممـا أصــابه
إذا كان من يُرجى يخاف ويحـذرُ؟!
فنصرةُ الدين حق الله عليكم، فإن تخلَّفتم عن ذلك، فالله تعالى غنيٌّ عن المتخلفين المتقاعسين عن ركب المناصرين للدين، كما قال تعالى: ?فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ? [الأنعام:89] ويقول: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ? [المائدة:54[ ويقول: ?وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ? (محمد:38).
ولئن كان التولي يوم زحف الكفار في بعض الأحيان من موبقات الذنوب، كما قال تعالى: ?وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ? [الأنفال:16] ، فالتولي اليوم عن نصرة التوحيد والسنة في مقابل غارات المقالات الخارجية والصوفية والجهمية والليبرالية والعلمانية وسائرِ أهل الضلالة، والسكوت عن المنكرات التي انتشرت بين الناس، كلّه من جنس التولي يوم الزحف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالله الله يا أهل العلم، ويا أنصار التوحيد والسنة، ها قد فُتح لكم بابٌ من أبواب جهادِ أتباع الرسل صدقاً وعدلاً، بالردِّ على أهلِ الباطل، وكَشْفِ زيْفِهم ومَكْرِهم، وثِقُوا بنصرِ الله، وصادقِ وعده، في نصرةِ من نصره، وقوة الحق على الباطل، وإزهاقه له.
والله لــــولا الله حافظ دينه لتهدمت منه قوى البنيان
فلولا الضمانات الإلهية، والوعود الربانية، ببقاء الدين ونصرته وظهوره، وأنه دين الله الحق، لولج الشك إلى القلوب، وخارت القوى، وخرج الناس من دين الله أفواجاً، ولكن بحمد الله وفضله أن هذا الدين محفوظ منصور عالٍ إلى يوم القيامة، بالحجة والبيان في كلِّ حين، وبالقوة والسلطان أحايين، ولا تضره الفتن والمحن، ولا تزيده إلا قوة وثباتاً، قال تعالى: ?كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ? [المجادلة: 21] وقال تعالى: ?وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ? [آل عمران: 139] وقال تعالى: ?وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ? [المائدة: 56] ويقول: ?وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ? [الصافات: 171 - 173]، وقدَّر أن الحق يبقى ويمكث في الأرض، والباطل كالزبد يذهب جفاء: ?كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ? [الرعد: 17]، وبشَّر أنصاره بالنصر، ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ? [محمد: 7] وجعل للحق قوة متى حضرت تُزهق الباطل وتزيلُه، قال تعالى: ?وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا?(الإسراء:81) ويقول تعالى: ?قُلْ جَاءَ الحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ البَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ?(سبأ:49) وقال تعالى: ?بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ?(الأنبياء:18).
فــاللهُ نــاصــرُ ديـنِـهِ وكــتـــابِهِ
والله كــــافٍ عـبـــدَه بــأمـــانِ
لا تخـشَ من كيــدِ العدوِ ومكرِهم
فـقتـــالهــم بالـكــذْبِ والبـهتانِ
واثبُتْ وقاتلْ تحـتَ رايــاتِ الهُدى
واصـــبرْ فــنصـــرُ الله ربـِّك دَانِ
واذكرْ مُقاتَلَهم لـفــرســانِ الهدى
لله در مـُـــقــاتــل الــفُـــرسـان
وادرأ بلفــظِّ الـنـَّصِ في نحرِ العدا
وارجمـهـمُ بـثـــواقـِــبِ الشُّهْبـانِ
لا تخشَ كثرَتهم فَهُم هـمــجُ الوَرى
وذُبـابـُــه أتـخــافُ مـن ذُبـَّـانِ؟!
واشغلهـم عـنـدَ الجِدالِ ببعضــهم
بَعضــاً فـذاكَ الحـــزم للـفــرسان
وإذا همُ حملُـوا عليــكَ فَلا تَكـــن
فَــزِعَــاً لحمـلــتـهم ولا بـجـبـانِ
واثبـُت ولا تَحـمِـل بلا جُــنْـدٍ فَـما
هَــذا بمحـمـود لــدى الشجـعان
فاذا رأيـتَ عـصـابـةَ الإسْـلامِ قَـد
وافَــت عَسـاكـرها مَـع السلـطـان
فهناك فاخترق الصفــوفَ ولا تكُن
بالـعـاجــزِ الواني ولا الفَــزْعانِ
وتعرَّ من ثوبيـنِ مَـن يلـبـسـهــما
يلـقـى الـردى بـمـذمـــة وهوانِ
ثوبٌ من الجـهــلِ المــركَّبِ فَـوقه
ثـوبُ التـَّعـصُّـبِ بئـستِ الثـَّوبانِ
وتحلَّ بالإنصــافِ أفـخــرَ حُــلَّة
زِيـنـت بها الأعـطــافِ والكتفان
واجعل شعارك خشـية الرحمن مع
نـصـح الرسول فحبـــذا الأمران
وتمسكـنَّ بحـبـــله وبـوحـــيــه
وتـوكـلــنّ حـقــيـقـة التــكلان
والحقُّ منصورٌ ومـمتـحــــنٌ فَـلا
تَعْــجَـب فـهــذي سنـــة الرحمنِ
فاصبروا، وعلّموا، وأنكروا، ومروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، ولا تنزعوا اليد من الطاعة، ولا تخرجوا عن سبيل الجماعة، وانصحوا للراعي والرعية، وعلموا الناس ما كانوا يجهلون.
واحفظوا شرف العلم وأهله:
فبصلاحِكم، وصدقِكم، وصبرِكم، وصادقِ نُصحِكم، وتآلفِ قلوبِكم، ووحدةِ صفوفِكم: صلاحُ البلادِ والعباد، والرَّاعي الرعية.
وإياكم والإصغاء إلى شُبُهات المرجئة، وتهاويل الجُبناء، وإرجاف المرجفين: بأنّ في إنكار المنكر مشاقة للسلطان، وخروج عليه، فهذا وايم الله من أعظم ما كسبه إبليس من الناس اليوم! حيث حجبوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن هذا من دين الخوارج، ومن التأليب على ولاة الأمور، وكذبوا والله، فإنكار المنكر دينٌ الله تعالى، يُشهر ويُظهر، لا يثنيه عدل حاكم، ولا جور جائر، ولا يجوز كتمانه إلا ممن خاف على نفسه، وذلك باتفاق المسلمين، وإلا فمتى يعرف الناس المنكر، ويستبينوا سبيل المجرمين؟
فسكوت العلماء عن إنكار المنكر؛ أصل فساد الدين، وتعطيل الشريعة، وتزيين الباطل، فتألفُه القلوب، ويصيرُ مَعروفاً، ويصبحُ المعروفُ منكراً مُستنْكَراً بين العالمين، فلابدَّ من قائمٍ بأمرِ الله، آمرٍ بالمعروف، ناهٍ عن المنكر، مبلغٍ للكتاب والسنة، ?كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ? [النحل: 35].
وإنما الممنوع عند أهل العلم:
الإنكارُ وليِّ الأمر على رؤوس الأشهاد، وتأليبُ الناس عليه، فإنَّ هذا هو المنكر، وهو دين الخوارج، كما بينته في كتابي "وصيتي للإخوان بمنهج أهل السنة في نصيحة السلطان"، وأمّا ما يُسخط الله تعالى من المعاصي والمنكرات، الفردية والجماعية، فالأصلُ إنكارها، والبراءة منها، وتحذير الناس منها، ما لم يكن في إظهار ذلك مفسدة راجحة.
واحمدوا الله تعالى أنكم في بلدِ إسلام، تنصرُ الشريعة، وتتخذ الإسلام ديناً، والسنة منهجا، وتحثُّ على الأمرِ بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وتحملُ النَّاس على الخير، ولا تسوقهم إلى الشرِّ بالسيوف والحديد!
كيف أنتم لو أنكم في زمنٍ: تولى فيه سَلاطين الجَور، وحكّام الضلالة، يأمرونَ فيه بالمنكر، بل بالكفر، وينهون عن المعروف، ويطاردون أهل الحق في خبايا الدور، وفي الأودية ورؤوس الجبال، وتُقطّع فيه رؤوس العلماء، وتُصلب أجسادُهم على مرأى من الناس؟
فاحمدوا الله تعالى واغتنموا نعمته عليكم بهذه الدولة المسلمة، وهم قريبون من كلّ خير، مهما حصل منهم من تقصير، فاجتهدوا بالنصح، ورابطوا بالبيان، وكونوا بطانة الخير حولهم، ومن عظيم حقوق البيعة: النصح لهم في المنشط والمكره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا ننزع اليد من الطاعة.
اللهم إنا نعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن دعوة لا يُستجاب لها، اللهم ردّنا إليك ردّا جميلاً، وأصلح حال الراعي والرعية، اللهم وفق ولي أمر المسلمين إلى هداك، واجعل عمله في رضاك، اللهم وفقه وولي عهده إلى ما فيه خير البلاد والعباد، الله قرّب إليهما بطانة الخير، واصرف عنهما بطانة الشر، وأصلح البلاد والعباد، واقمع أهل الزيغ والفساد والإفساد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى ربّه ومولاه:
بدر بن علي بن طامي العتيبي
ضحى الأربعاء 5 صفر 1438هـ.


(1) "أخلاق العلماء" للآجري (ص17).




أكثر...

من مواضيعي
0 من المختارات لكم (118) : الرد على سعود القحطاني
0 من المختارات لكم (120): أبو جهل الجفري
0 من المختارات لكم (78): دعونا من الجامية ..... وتعالوا إلى كلمة سواء!
0 من المختارات لكم (106): المعازف بين تُقى الأكابر وشغب الأصاغر
0 من المختارات لكم (99): بين السعودية وإيران

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:20 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الآفاق السلفية

a.d - i.s.s.w