الرئيسية اتصل بنا
 
 


العودة   منتديات الآفاق السلفية > أقسام المنتديات الرئيسية > منبر الآفاق السلفية العلمي الــعـام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17th August 2010, 03:11 PM
أبو عبد الله يوسف أبو عبد الله يوسف غير متواجد حالياً
بارك الله فيه
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 1,561
افتراضي العذر بالجهل للشيخ العلامة عبد الله أبا بطين رحمه الله

العذر بالجهل للشيخ العلامة عبد الله أبا بطين رحمه الله سئل الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبا بطين ، رحمه الله ، عن قول شيخ الإسلام تقي الدين ، رحمه الله، في رده على ابن البكري : فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم ،وإن كان ذلك المخالف يكفرهم ، لأن الكفر حكم شرعي ، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله ، كم كذب عليك ، وزنى بأهلك ، ليس لك أن تكذب عليه ، وتزني بأهله ، لأن الزنى والكذب ، حرام لحق الله تعالى ، وكذلك التكفير حق لله ، فلا نكفر إلا من كفره الله ورسوله .
وأيضاً : فإن تكفير الشخص المعين ، وجواز قتله ، موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية ، التي يكفر من خالفها ، وإلاّ فليس كل من جهل شيئاً من الدين يكفر إلى أن قال ولهذا كنت أقول للجهمية ، من الحلولية والنفاة ، الذين ينفون أن يكون الله فوق العرش : أنا لو وافقتكم كنت كافراً، لأني أعلم أن قولكم كفر ، وأنتم عندي لا تكفرون ، لأنكم جهال إلخ ، ما معنى قيام الحجة ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين ، تضمن كلام الشيخ رحمه الله ، مسألتين ، إحداهما : عدم تكفيرنا لمن كفرنا ، وظاهر كلامه : أنه سواء كان متأولاً أم لا ، وقد صرح طائفة من العلماء : أنه إذا قال ذلك متأولاً ، لا يكفر ، ونقل ابن حجر الهيتمي عن طائفة من الشافعية ، أنهم صرحوا بكفره إذا لم يتأول ، فنقل عن المتولي أنه قال : إذا قال المسلم يا كافر ، بلا تأويل كفر ، قال : وتبعه على ذلك جماعة .
واحتجوا بقوله : (( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر ، فقد باء بها أحدهما )) والذي رماه به مسلم ، فيكون هو كافراً ، قالوا لأنه سمى الإسلام كفراً ، وتعقب بعضهم هذا التعليل ، وهو قولهم :إنه سمى الإسلام كفراً ، فقال : هذا المعنى لا يفهم من لفظه ، ولا هو مراده ، إنما مراده ومعنى لفظه : إنك لست على دين الإسلام ، الذي هو حق ، وإنما أنت كافر ، دينك غير الإسلام ، وأنا على دين الإسلام ، وهذا مراده بلا شك .
لأنه إنما وصف بالكفر الشخص ، لا دين الإسلام ، فنفى عنه كونه على دين الإسلام ، فلا يكفر بهذا القول ، وإنما يعزر بهذا السب الفاحش ، بما يليق به ، ويلزم على ما قالوه أن من قال لعابد يا فاسق كفر ، لأنه سمى العبادة فسقاً ، ولا أحسب أحداً يقوله ، وإنما يريد إنك تفسق ، وتفعل مع عبادتك ما هو فسق ، لا أن عبادتك فسق ، انتهى .
وظاهر كلام النووي ، في شرح مسلم يوافق ذلك ، فإنه لما ذكر الحديث ، قال : وهذا مما عده العلماء من المشكلات، فإن مذهب أهل الحق : أن المسلم لا يكفر بالمعاصي ، كالقتل والزنا ، وكذا قوله لأخيه : يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام .
ثم حكى في تأويل الحديث وجوهاً ، أحدها : أنه محمول على المستحل ، ومعنى (( باء بها )) أي بكلمة الكفر ، فباء وحار ورجع بمعنى .
الثاني : رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره ، الثالث : أنه محمول على الخوارج ، المكفرين للمؤمنين ، وهذا نقله القاضي عياض عن مالك ، وهو ضعيف ، لأن المذهب الصحيح المختار ، الذي قاله الأكثرون ، والمحققون : إن الخوارج لا يكفرون ، كسائر أهل البدع .
الرابع : معناه : أنه يؤول إلى الكفر ، فإن المعاصي كما قالوا : بريد الكفر ، ويخاف على المكثر منها ، أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر ، ويؤيده رواية أبي عوانة ، في مستخرجه على مسلم (( فإن كان كما قال ، وإلاّ فقد باء بالكفر )) .
الخامس : فقد رجع بكفره ، وليس الراجع حقيقة الكفر، بل التكفير ، كونه جعل أخاه المؤمن كافراً ، فكأنه كفر بنفسه ، إما لأنه كفر من هو مثله ، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر ، يعتقد بطلان الإسلام انتهى .
وقال ابن دقيق العيد ، في قوله رحمه الله : (( ومن دعا رجلاً بالكفر ، وليس كذلك ، إلا حار عليه )) أي : رجع عليه ، وهذا وعيد عظيم لمن كفر أحداً من المسلمين ، وليس هو كذلك ، وهي ورطة عظيمة ، وقع فيها خلق من العلماء ، اختلفوا في العقائد ، وحكموا بكفر بعضهم بعضاً .
ثم نقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني ، أنه قال : لا أكفر إلا من كفرني ، قال : وربما خفي هذا القول على بعض الناس ، وحمله على غير محمله الصحيح ، والذي ينبغي أن يحمل عليه ، أنه لمح هذا الحديث الذي يقتضي : أن من دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك ، رجع عليه الكفر ، وكذلك قوله صلى الله عليه و سلم: (( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) .
وكان هذا المتكلم ، أي : أبو إسحاق ، يقول : الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين ، إما المكفِّر أو المكفَّر ، فإذا كفرني بعض الناس ، فالكفر واقع بأحدنا ، وأنا قاطع أني لست بكافر ، فالكفر راجع إليه . انتهى .
فظاهر كلام أبي إسحاق : أنه لا فرق بين المتأول وغيره ، والله أعلم ، وما نقله القاضي عن مالك ، من حمله الحديث على الخوارج ، موافق لإحدى الروايتين عن أحمد ، في تكفير الخوارج ، اختارها طائفة من الأصحاب وغيرهم ، لأنهم كفروا كثيراً من الصحابة ، واستحلوا دماءهم وأموالهم ، متقربين بذلك إلى الله ، فلم يعذروهم بالتأويل الباطل ، لكن أكثر الفقهاء على عدم كفرهم ، لتأويلهم ، وقالوا : من استحل قتل المعصومين ، وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر ، وإن كان استحلالهم ذلك بتأويل كالخوارج لم يكفر ، والله أعلم .

المسألة الثانية : أن تكفير الشخص المعين وجواز قتله ، موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية ، التي يكفر من خالفها إلى آخره ، يشمل كلامه من لم تبلغه الدعوة ، وقد صرح بذلك في موضع آخر ، ونقل ابن عقيل عن الأصحاب: أنه لا يعاقب ، وقال : إن الله عفا عن الذي كان يعامل ويتجاوز ، لأنه لم تبلغه الدعوة ، وعمل بخصلة من الخير .
واستدل لذلك بما في صحيح مسلم مرفوعاً (( والذي نفسي بيده ، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، يهودي أو نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار )) قال في شرح مسلم : وخص اليهودي والنصراني ، لأن لهم كتاباً ، قال ، وفي مفهومه : أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور ، قال : وهذا جار على ما تقرر في الأصول ، لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح . انتهى .
وقال القاضي : أبو يعلى ، في قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } [ الإسراء : 15] في هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلاً ، وإنما تجب بالشرع ، وهو بعثة الرسل ، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك ، لم يقطع عليه بالنار . انتهى .
وفيمن لم تبلغه الدعوة قول آخر : أنه يعاقب ، اختاره ابن حامد ، واحتج بقوله { أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [ القيامة : 36 ] والله أعلم ، فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه و سلم، وبلغه القرآن ، فقد قامت عليه الحجة ، فلا يعذر في عدم الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل .
وقد أخبر الله سبحانه : بجهل كثير من الكفار ، مع تصريحه بكفرهم ، ووصف النصارى بالجهل ، مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم ، ونقطع : أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون ، فنعتقد كفرهم ، وكفر من شك في كفرهم .
وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر ، والشك هو التردد بين شيئين ، كالذي لا يجزم بصدق الرسول صلى الله عليه و سلم ولا كذبه ، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه ، ونحو ذلك ، كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها ، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولاعدم تحريمه ، وهذا كفر بإجماع العلماء ، ولا عذر لمن كان حاله هكذا ، بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته ، لأنه لا عذر له بعد بلوغها ، وإن لم يفهمها .
وقد أخبر الله تعالى عن الكفار : أنهم لم يفهموا ، فقال : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً } [الأنعام : 25] وقال : { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } [ الأعراف : 30 ] فبين الله سبحانه : أنهم لم يفقهوا ، فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار ، كما في قوله تعالى : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً } الآية [ الكهف : 103-105].
قال الشيخ : أبو محمد ، موفق الدين بن قدامة ، رحمه الله ، لما انجر كلامه في مسألة : هل كل مجتهد ، مصيب أم لا ؟ ورجح أن ليس كل مجتهد مصيباً ، بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين ، قال : وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام، إذا نظر فعجز عن إدراك الحق ، فهو معذور غير آثم إلى أن قال أمَّا ما ذهب إليه الجاحظ ، فباطل يقيناً ، وكفر بالله تعالى ، ورد عليه وعلى رسوله .
فإنا نعلم قطعاً : أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه ، وذمهم على إصرارهم ، وقاتل جميعهم ، وقتل البالغ منهم ، ونعلم : أن المعاند العارف مما يقل ، وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليداً ، ولم يعرفوا معجزة الرسول صلى الله عليه و سلم وصدقه .
والآيات الدالة في القرآن على هذا كثيرة ، كقوله تعالى : { ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار } [ص:27] ، { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين } [ فصلت : 23] ، { وإن هم إلا يظنون}- [ البقرة : 78] { ويحسبون أنهم على شيء } [المجادلة : 18 ] ، { ويحسبون أنهم مهتدون } [الأعراف : 30 ] ، { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً } [ الكهف : 104 ، 105 ] ، وفي الجملة : ذم المكذبين لرسول الله مما لا ينحصر في الكتاب والسنة . انتهى .
فبيّن رحمه الله : أنا لو لم نكفر إلا المعاند العارف ، لزمنا الحكم بإسلام أكثر اليهود والنصارى ، وهذا من أظهر الباطل ، فقول الشيخ تقي الدين ، رحمه الله : إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة ، يدل من كلامه على أن هذين الأمرين ، وهما : التكفير ، والقتل ، ليسا موقوفين على فهمك الحجة مطلقاً ، بل على بلوغها ، ففهمها شيء ، وبلوغها شيء آخر.
فلو كان هذا الحكم موقوفاً على فهم الحجة ، لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة ، وهذا بين البطلان ، بل آخر كلامه رحمه الله ، يدل على أنه يعتبر فهم الحجة ، في الأمور التي تخفى على كثير من الناس ، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة ، كالجهل ببعض الصفات .
وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد ،والإيمان بالرسالة ، فقد صرح رحمه الله في مواضع كثيرة بكفر أصحابها ، وقتلهم بعد الاستتابة ، ولم يعذرهم بالجهل ، مع أنا نتحقق : أن سبب وقوعهم في تلك الأمور ، إنما هو الجهل بحقيقتها ، فلو علموا أنها كفر ، تخرج من الإسلام لم يفعلوها .
وهذا في كلام الشيخ رحمه الله كثير ، كقوله في بعض كتبه : فكل من غلا في نبي ، أو رجل صالح ، وجعل فيه نوعاً من الإلهية ، مثل أن يدعوه من دون الله ، نحو أن يقول : يا فلان أغثني ، أو اغفر لي ، أو ارحمني ، أو انصرني ، أو اجبرني ، أو توكلت عليك ، أو أنا في حسبك ، أو أنت حسبي ، ونحو هذه الأقوال ، التي هي من خصائص الربوبية ، التي لا تصلح إلا لله ، فكل هذا شرك وضلال ، يستتاب صاحبه ، فإن تاب وإلا قتل .
وقال أيضاً : فمن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ، ويتوكل عليهم ، ويسألهم ، كفر إجماعاً ، وقال : من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله ، فهو مرتد ، وإن جهل أن ذلك محرم عُرِّف ذلك ، فإن أصر صار مرتداً .
وقال : من سب الصحابة أو أحداً منهم ، أو اقترن بسبه دعوى أن علياً إله ، أو نبي ، أو أن جبرائيل غلط ، فلا شك في كفر هذا ، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره .
وقال أيضاً : من زعم أن الصحابة ارتدوا ، بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا نفراً قليلاً ، لا يبلغون بضعة عشر ، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك ، بل من شك في كفره ، فهو كافر ، انتهى فانظر كيف كفر الشاك ، والشاك جاهل ، فلم ير الجهل عذراً في مثل هذه الأمور .
وقال رحمه الله في أثناء كلام له ، قال ولهذا قالوا : من عصى مستكبراً كإبليس ، كفر بالاتفاق ، ومن عصى مشتهياً لم يكفر عند أهل السنة ، ومن فعل المحارم مستحلاً فهو كافر بالاتفاق .
وقد قال : والاستحلال : اعتقاد أنها حلال ، وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله لم يحرمها ، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية أو الرسالة ، ويكون جحداً محضاً غير مبني على مقدمة ، وتارة يعلم : أن الله حرمها ، ثم يمتنع من التزام هذا التحريم ويعاند ، فهذا أشد كفراً ممن قبله ، انتهى .
وكلامه رحمه الله في مثل هذا كثير ، فلم يخص التكفير بالمعاند ، مع القطع بأن أكثر هؤلاء جهال ، لم يعلموا أن ما قالوه أو فعلوه كفر ، فلم يعذروا بالجهل في مثل هذه الأشياء، لأن منها ما هو مناقض للتوحيد ، الذي هو أعظم الواجبات، ومنها ما هو متضمن معارضة الرسالة ، ورد نصوص الكتاب والسنة الظاهرة ، المجمع عليها بين علماء المسلمين .
وقد نص السلف والأئمة : على تكفير أناس بأقوال صدرت منهم ، مع العلم أنهم غير معاندين ، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله تعالى : من جحد وجوب عبادة من العبادات الخمس ، أو جحد حل الخبز ونحوه ، أو جحد تحريم الخمر ونحوه ، أو شك في ذلك ومثله لا يجهله ، كفر ، وإن كان مثله يجهله عُرِّف ذلك ، فإن أصر بعد التعريف ، كفر ، وقتل ، ولم يخصوا الحكم بالمعاند ، وذكروا في باب حكم المرتد أشياء كثيرة ، أقوالاً وأفعالاً ، يكون صاحبها بها مرتداً، ولم يقيدوا الحكم بالمعاند .
وقال الشيخ أيضاً : لما استحل طائفة من الصحابة الخمر ، كقدامة وأصحابه ، وظنوا أنها تباح لمن آمن بالله وعمل صالحاً ، على ما فهموه من آية المائدة ، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما ، على أنهم يستتابون ، فإن أصروا على الاستحلال كفروا ، وإن أقروا به جلدوا ، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة ، حتى يبين لهم الحق ، فإن أصروا كفروا .
وقال أيضاً : ونحن نعلم بالضرورة ، أن رسول الله لم يشرع لأمته أن يدعوا أحداً من الأموات ، لا من الأنبياء ولا غيرهم ، لا بلفظ الاستغاثة ، ولا بلفظ الاستعانة ، ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لهم السجود لميت ، ولا إلى ميت ونحو ذلك ، بل نعلم : أنه نهى عن ذلك كله ، وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ، لكن لغلبة الجهل ،وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين ، لم يمكن تكفيرهم بذلك ، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول. انتهى.فانظر إلى قوله : لم يمكن تكفيرهم بذلك ,حت يبين لهم ما جاء به الرسول ,ولم يقل حتى يتبين لهم ، ونتحقق منهم المعاندة بعد المعرفة .
وقال أيضاً : لما انجر كلامه في ذكر ما عليه كثير من الناس ، من الكفر ، والخروج عن الإسلام ، قال : وهذا غالب في الأعصار والأمصار ، التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق ، فلهؤلاء من عجائب الجهل ، والظلم والكذب ، والنفاق والكفر والضلال ، ما لا يتسع لذكره المقال .
وإذا كان في المقالات الخفية ، فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال ، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها ، لكن ذلك يقع في طوائف منهم ، في الأمور الظاهرة ، التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين ، أنها من دين الإسلام ، بل اليهود والنصارى والمشركون ، يعلمون أن محمداً بعث بها ، وكفر من خالفها ، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له . ونهيه عن عبادة أحد سواه ، من الملائكة والنبيين او غيرهم ، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام .
ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين ، ومثل تحريم الفواحش ، والربا والخمر والميسر ، ونحو ذلك ، ثم تجد كثيراً من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع ، فكانوا مرتدين ، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ، أو يعودون إلى أن قال وأبلغ من ذلك : أن منهم من يصنف في دين المشركين ، والردة عن الإسلام ، كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب ، وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ، ورغب فيه ، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين ، وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام . انتهى .
فانظر إلى تفريقه بين المقالات الخفية ، والأمور الظاهرة ، فقال في المقالات الخفية ، التي هي كفر ، قد يقال إنه فيها مخطئ ضال ، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها ، ولم يقل ذلك في الأمور الظاهرة ، فكلامه ظاهر في الفرق بين الأمور الظاهرة والخفية ، فيكفر بالأمور الظاهرحكمها مطلقاً ، وبما يصدر منها من مسلم جهلاً ، كاستحلال محرم أو فعل أو قول شركي بعد التعريف .
ولا يكفر بالأمور الخفية جهلاً ، كالجهل ببعض الصفات، فلايكفر الجاهل بها مطلقاً ، وإن كان داعية ، كقوله للجهمية : أنتم عندي لاتكفرون ، لأنكم جهال ، وقوله عندي يبين أن عدم تكفيرهم ، ليس أمراً مجمعاً عليه ، لكنه اختياره ،وقوله في هذه المسألة خلاف المشهور في المذهب ، فإن الصحيح من المذهب تكفير المجتهد الداعي إلى القول بخلق القرآن ، أو نفي الرؤية ، أو الرفض ونحو ذلك ، وتفسيق المقلد .
قال المجد ، الصحيح : أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية ، فإنا نفسق المقلد فيها ، كمن يقول بخلق القرآن ، أو أن علم الله مخلوق ، أو أن أسمائه مخلوقة ، أو أنه لا يرى في الآخرة ، أو يسب الصحابة تديناً ، أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد ، وما أشبه ذلك ، فمن كان عالماً في شيء من البدع، يدعو إليه ويناظر عليه ، فهو محكوم بكفره ، نص أحمد على ذلك في مواضع ، انتهى .
فانظر كيف حكموا بكفرهم مع جهلهم ، والشيخ رحمه الله يختار عدم كفرهم ، ويفسقون عنده ؛ ونحوه قول ابن القيم رحمه الله، فإنه قال : وفسق الاعتقاد ، كفسق أهل البدع ، الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ، ويحرمون ما حرم الله ويوجبون ما أوجب الله ، ولكن ينفون كثيراً مما أثبت الله ورسوله ، جهلاً وتأويلاً وتقليداً للشيوخ ، ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك ، وهؤلاء كالخوارج المارقة ، وكثير من الروافض والقدرية والمعتزلة ، وكثير من الجهمية الذين ليسوا غلاة في التجهم .
وأما غلاة الجهمية ، فكغلاة الرافضة ، ليس للطائفتين في الإسلام نصيب ، ولذلك أخرجهم جماعة من السلف ، من الإثنتين والسبعين فرقة ، فقالوا هم مباينون للملة . انتهى .
وبالجملة : فيجب على من نصح نفسه ، ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله ، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقلة ، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه ، أعظم أمور الدين ؛ وقد كفينا بيان هذه المسألة كغيرها ، بل حكمها في الجملة أظهر أحكام الدين فالواجب علينا : الاتباع وترك الابتداع ، كما قال ابن مسعود _ ، اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم .
وأيضاً : فما تنازع العلماء في كونه كفراً ، فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام ، ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم ؛ وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة ، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره ، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم .
ومن العجب : أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة ، أو البيع ونحوهما ، لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله ، بل يبحث عن كلام العلماء ، ويفت بما قالوه ، فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم ، الذي هو أعظم أمور الدين وأشد خطراً ، على مجرد فهمه واستحسانه ؟ فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين ! ومحنته من تينك البليتين !! .
ونسألك اللهم أن تهدينا الصراط المستقيم ، الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين
وصلى الله على محمد .

من مواضيعي
0 الصلاة شرط لصحة الإيمان و أحاديث الشفاعة لا تفيد نجاة تارك الصلاة / الشيخ الراجحي
0 حديد الشيخ الفوزان 20/8/1434:ما هو بـشيء غامض،الحجة تقام في الأشياء الغامضة التي تحتاج الى تفهيم ، أما هذا شيء واضح ما يحتاج إذا قرأ القرآن: عرف .
0 القرآن والثقافة العربية
0 حكم الاجتماع للطعام في المسجد في رمضان ( من فتاوى الإمام مالك )
0 الرد على شبهة (دعاة لا قضاة ) لنفي تكفير المعين المتلبس بالشرك الأكبر للشيخ الحازمي

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17th August 2010, 03:52 PM
أبو عبد الله يوسف أبو عبد الله يوسف غير متواجد حالياً
بارك الله فيه
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 1,561
افتراضي

و قال في (الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين) بتحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان


واحتج بعض من يجادل عن المشركين: بقصة الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته (4). على أن من ارتكب الكفر جاهلا لا يكفر, ولا يكفر إلا المعاند.

والجواب عن ذلك كله: أن الله سبحانه أرسل رسله مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (5).

وأعظم ما أرسلوا به , ودعوا إليه: عبادة الله وحده لا شريك له,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (ع) : لأنه قد.
(2) (ط) :لأهلها.
(3) المصدر السابق 2/728.
(4) أخرجه البخاري في "الصحيح" رقم 3479، 6480 ، ومسلم في "الصحيح" رقم 2756 ، والنسائي في "المجتبى" 4/91 وابن ماجة في "السنن " رقم 4309 وأحمد في "المسند" رقم 7635 من حديث أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما.
(5) قال تعالى: { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} سورة النساء آية 165.

ص -42-والنهي عن الشرك الذي هو (1) عبادة غيره.
فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورا لجهله، فمن هو الذي لا يعذر؟
ولازم هذه الدعوى: أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند. مع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله, بل لابد أن يتناقض؛ فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم, أو شك في البعث, أو غير ذلك من أصول الدين. والشاك جاهل!.
والفقهاء رحمهم الله: يذكرون في كتب الفقه حكم المرتد: وأنه المسلم الذي يكفر بعد إسلامه / : نطقا, أو فعلا, أو شكا, أو اعتقادا (2). وسبب الشك: الجهل.
ولازم هذا: أنا لا نكفر (3) جهلة اليهود والنصارى, ولا الذين يسجدون الشمس والقمر والأصنام لجهلهم, ولا الذين حرقهم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه بالنار (4)؛ لأننا نقطع أنهم جهال!!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (ع) : الشرك الذي هو . معلق في الهامش وبجواره كلمة صح.
(2) (ط) : فعلا أو اعتقادا أو شكا.
(3) (ط) لا يكفر
(4) وهم أتباع ابن سبأ اليهودي، أخرج أبو عاصم وأبو عمر الطلمنكي وابن شاهين والطبري في شرح أصول السنة، من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا، عن عبد الرحمن بن مالك ابن مغول عن أبيه قال: قلت لعامر الشعبي: ما ردك عن هؤلاء القوم وقد كنت فيهم رأسا؟!قال : رأيتهم يأخذون بأعجاز لا صدور لها. يا مالك: إني قد درست الأهواء فلم أر فيها أحمق من الرافضة! فلو كانوا من الطير لكانوا رخما، ولو كانوا من الدواب لكانوا حمرا!!!- قال- وقد حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار، ونفاهم من البلاد. منهم عبد الله بن سبأ اليهودي... وحرق منهم قوما أتوه. فقالوا: أنت هو! فقال : من أنا؟ قالوا: أنت ربنا!! فأمر بنار أججت فألقوا فيها- وفيه قال- قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى. وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى. وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: حواري محمد!!! ينظر "منهاج السنة النبوية"1/28 ، 307 ، و"الفصل" لابن حزم5/47 ، و"الفرق" للبغدادي /18.

ص -43-وقد أجمع العلماء على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى أو يشك في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال.
وقال الشيخ تقي الدين: من سب الصحابة و واحدا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو نبي, أو أن جبرائيل غلط. فلا شك في كفر هذا, بل لا يُشكُّ (1) في كفر من توقف في تكفيره.
قال: ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر, أو أنهم فسقوا. فلا ريب في كفر قائل ذلك, بل من شك في كفره فهو كافر.
قال: ومن ظن أن قوله سبحانه وتعالى:{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} (2). بمعنى: قدر , وأن الله ما قدر شيئا إلا وقع, وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله: فإن هذا من أعظم الناس كفرا بالكتب كلها. انتهى (3).
ولا ريب أن أصحاب (4) هذه المقالة: أهل علم وزهد وعبادة, وأن سبب دعواهم هذه :الجهل.
وقد أخبر الله سبحانه عن الكفار أنهم في شك مما تدعوهم إليه الرسل, وأنهم في شك من البعث، فقالوا لرسلهم: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} (5) وقال:{ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} (6) وقال إخبارا عنهم: { إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} (7).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (ع) (ط) : شك.
(2) سورة الإسراء آية 23.
(3) ينظر "مجموع فتاوى ابن تيمية "2/124.
(4) (ط) :أهل.
(5) سورة إبراهيم آية 9.
(6) سورة فصلت آية 45.
(7) سورة الجاثية آية32.

ص -44-وقال عن الكفار:{ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} (1) .
وقال تعالى:{ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (2).
ووصفهم بغاية الجهل، كما في قوله تعالى: { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } (3).
وقد ذم الله المقلدين بقوله عنهم: { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} (4) الآيتين, ومع ذلك كفرهم سبحانه وتعالى.
واستدل العلماء بهذه الآية (5) ونحوها: على أنه لا يجوز التقليد في معرفة الله والرسالة.
وحجة الله سبحانه قائمة على الناس بإرسال الرسل إليهم, وإن لم يفهموا حجج الله وبيناته.
قال الشيخ موفق الدين أبو محمد بن قدامة (6) رحمه الله – لما انجر كلامه في مسألة: هل كل مجتهد مصيب؟ ورجح قول الجمهور: إنه ليس كل مجتهد مصيبا (7) بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف آية 30
(2) سورة الكهف الآيتان 103 ,104.
(3) سورة الأعراف آية 179.
(4) سورة الزخرف آية 22.
(5) (9) : الآيات.
(6) عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة ، أصولي، فقيه بارز ت 620 "تاريخ ابن كثير"13/99.
(7) الأصل :مصيب.


ص -45-قال- : وزعم الجاحظ (1) أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن درك (2) الحق: فهو معذور غير آثم.
إلى أن قال: أما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينا، وكفر بالله، ورد عليه وعلى رسوله؛ فإنا (3) نعلم قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه, وذمهم على إصرارهم, وقاتل جميعهم (4), يقتل البالغ (5).
ونعلم أن المعاند العارف ممن يقل, وإنما الأكثر مقلدة: اعتقدوا دين آبائهم تقليدا,ولم يعرفوا معجزة (6) النبي (7) وصدقه.والآيات الدالة (8) في القرآن على هذا كثيرة (9), كقوله:{ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} (10). وقال: { وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ } (11) { إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (12)، وقوله:{ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ } (13){ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} (14)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عمرو بن بحر البصري، من كبار المعتزلة ومنظريهم، أديب ساخر ت255. "وفيات الأعيان"2/108.
(2) (ع) (ط) : إدراك.
(3) (ط) :فإنما.
(4) (ط): وقاتلهم جميعا.
(5) (ع) : يقتل البالغ منهم (ط): بقتل البالغ منهم. "الروضة" : وقتل البالغ منهم.
(6) الأصل: معرفة معجزة (ع) (ط) : معجزات.
(7) (ط) : الرسول.
(8) (ط) :الدالات.
(9) الأصل: كثيرا.(ع): كثير.
(10) سورة ص آية 27.
(11) سورة فصلت آية 23.
(12) سورة الجاثية آية 24.
(13) سورة المجادلة آية 18.
(14) سورة الزخرف آية 37.


ص -46- { الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ }الآية (1).

وفي الجملة: ذم المكذبين للرسول مما لا ينحصر في الكتاب والسنة. انتهى (2).
والعلماء يذكرون: أن من أنكر وجوب عبادة من العبادات الخمس، أو قال في واحدة منها (3): إنها سنة لا واجبة, أو جحد حل الخبز ونحوه, أو جحد تحريم الخمر أو نحوه، أو شك في ذلك ومثله لا يجهله: كفر, وإن كان مثله يجهله: عرف ذلك, فإن أصر بعد التعريف كفر وقتل , ولم يقولوا: فإذا تبين له الحق وعاند: كفر.
وأيضا، فنحن لا نعرف أنه معاند حتى يقول: أنا أعلم أن ذلك حق ولا ألتزمه، أو لا أقوله (4)، وهذا لا يكاد يوجد.
وقد ذكر العلماء من أهل كل مذهب: أشياء كثيرة لا يمكن حصرها من الأقوال والأفعال والاعتقادات: أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند.
فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولا, أو مجتهدا مخطئا (5), أو مقلدا، أو جاهلا: معذور (6). مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقض أصله: فلو طرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك (7) /.

وأما الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه، وأن الله غفر له, مع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الكهف الآيتان 104 ، 105.
(2) "روضة الناظر وجنة المناظر" /362-363.
(3) (ط) : منها. ساقطة.
(4) (ع) : أقبله.
(5) (ع) (ط) : أو مخطئا.
(6) الأصل: معذورا. تحريف.
(7) الأصل : وغير ذلك (ط) ساقط.

ص -47-شكه في صفة من صفات الرب سبحان: فإنما غفر له لعدم بلوغ الرسالة له. كذا قال غير واحد من العلماء (1).
ولهذا قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها: كفر, وإن كان مثله يجهلها: لم يكفر.
قال: ولهذا لم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الشاك في قدرة الله؛ لأنه لا يكون (2) إلا بعد بلوغ الرسالة (3). وكذا قال ابن عقيل (4), وحمله على أنه لم تبلغه الدعوة.
واختيار الشيخ تقي الدين في الصفات: أنه لا يكفر الجاهل، وأما في الشرك ونحوه: فلا , كما ستقف على بعض كلامه إن شاء الله. وقد قدمنا بعض كلامه في الإتحادية وغيرهم، وتكفيره من شك في كفرهم.
قال صاحب اختياراته (5): والمرتد: من أشرك بالله، أو كان (6) مبغضا لرسوله أو لما جاء به, أو ترك إنكار كل منكر بقلبه، أو توهم أن من الصحابة (7) من قاتل مع الكفار أو أجاز ذلك, أو أنكر مجمعا (8) عليه إجماعا قطعيا, أو جعله بينه وبين الله وسائط: يتوكل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر "فتح الباري" 6/523.
(2) (ع) : يكفر.
(3) ينظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" 7/538.
(4) أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي ، متوقد الذكاء ، غزير العلم، فيه شائبة اعتزال وتجهم وانحراف عن السنة .ت513 "تاريخ ابن كثير" 13/184و"طبقات القراء " للذهبي 1/38.
(5) أبو الحسن علي بن محمد البعلي المعروف بان اللحام، تلميذ الحافظ ابن رجب، من فقهاء الحنابلة.ت803 "الضوء اللامع" 5/320.
(6) (ط) وكان
(7) في "الاختيارات" : من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم.
(8) (ع) : أمرا مجمعا (ط): إجماعا مجمعا.

ص -48-عليهم ويدعوهم ويسألهم (1)، ومن شك في صفة من صفات الله ومثله لا يجهلها: فمرتد. وإن كان مثله يجهلها: فليس بمرتد؛ ولهذا لم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الشاك في قدرة الله تعالى (2).
فأطلق فيما تقدم من المفكرات ، وفرق في الصفة بين الجاهل وغيره, مع أن رأي الشيخ رحمه الله تعالى- في التوقف عن تكفير الجهمية ونحوهم- خلاف نصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام (3).
قال المجد (4) رحمه الله: كل بدعة كفرنا فيها الداعية, فإنا نفسق المقلد فيها, كمن يقول بخلق القرآن, أو أن علم الله مخلوق، أو أن أسماءه (5) مخلوقة, أو أنه لا يرى في الآخرة, أو يسب الصحابة تدينا, أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد، وما أشبه ذلك.
فمن كان عالما في شيء (6) من هذه البدع: يدعو إليه ويناظر عليه، فهو محكوم بكفره. نص أحمد على ذلك في مواضع.انتهى.
فانظروا (7) ! كيف حكموا (8) بكفرهم مع جهلهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأصل (ع) : ويسألهم اجماعا (ط) ويسألهم كفر إجماعا. والمثبت ما في "الاختيارات".
(2) "الاختيارات الفقهية" /307.
(3) أخرج طرفا منها عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب" السنة"1/102-132.
(4) أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية النميري، محدث أصولي فقيه.ت652. "تاريخ ابن رجب " (الذيل2/249).
(5) الأصل: أسماؤه.
(6) (ع) (ط) : بشيء
(7) (ع) : فانظر.
(8) (ع) : حكم

من مواضيعي
0 حكم الاجتماع للطعام في المسجد في رمضان ( من فتاوى الإمام مالك )
0 هنا قال ربيع : العمل لا يدخل في مسمى الإيمان !!
0 الشيخ كنوني المذكوري و كتابه "الفتاوي" - درة غالية -
0 فائدة : أجمع أهل العربية أن ما عدا الحروف و الأصوات ليس بكلام حقيقةً
0 التعليق على من قال : من اعتقد بقلبه و نطق بلسانه و كرر الشهادة و لو مرة يكون مؤمنا .الشيخ الفوزان


التعديل الأخير تم بواسطة أحمد بن إبراهيم بن علي ; 17th August 2010 الساعة 04:43 PM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29th May 2014, 11:38 AM
ابو الياس أورير ابو الياس أورير غير متواجد حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: Apr 2014
المشاركات: 70
افتراضي

و قال الشيخ أبا بطين أيضا رحمه الله:

"و كذا قولنا أن فعل مشركي الزمان عند القبور من دعاء أهل القبور و سؤالهم قضاء الحاجات و تفريج الكربات و الذبح و النذر لهم و قولنا هذا شرك أكبر و أن من فعله فهو كافر و الذين يفعلون هذه العبادات عند القبور كفار بلا شك و قول الجهال أنكم تكفرون المسلمين فهذا ما عرف الإسلام و لا التوحيد و الظاهر عدم صحة إسلام هذا القائل فإن من لم ينكر هذه الأمور التي يفعلها المشركون اليوم و لا يراها شيئا فليس بمسلم " .
________________________
الدرر السنية : ج 10 / ص 416 .

من مواضيعي
0 طلب الدعاء من الوالدين هل يلحق بطلب الدعاء من غيرهما؟ الشيخ عبدالرحمن البراك‎
0 من هو ابن تيمية هذا الزمان
0 سماحة المفتي: المفتي: داعش وجبهة النصرة والإخوان المسلمين فرق لا تمت للإسلام بصلة
0 تبرئة أبي عبد القدوس بدر الدين مناصرة من داعش
0 جديد [20 شعبان 1435] الشيخ الفوزان يشكو الى الله مرجئة "سحاب" لأنهم لا يفهمون ويقول أن الحجة قائمة ولله الحمد.

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:28 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.0, Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الآفاق السلفية

a.d - i.s.s.w